بقلم مدير المركز اللبناني للابحاث والاستشارات ـ حسان القطب..
الضربة الاميركية – الاسرائيلية المشتركة التي اصابت ايران في عمق اراضيها، واستهدفت بنيتها العسكرية تسليحاً وتصنيعاً ومنشآت، دفعتها للبحث عن مخارج سياسية، بعد ان اكتشفت او تبين للجميع سواء كان مؤيداً او معارضاً لنظامها الديني الديكتاتوري، بأنها عاجزة عن مواجهة التحدي عسكرياً، وغير قادرة على الردع بانزال الخسائر اللازمة الضرورية بخصومها، واصبح هذا واضحاً في الداخل الايراني كما لدى اذرعها المنتشرة في العالم العربي والاسلامي..
والاعلام الايراني والمؤيد لها خارجياً الذي يتحدث عن صمود وتصدي وقدرة ايران على انزال الخسائر بالعدو الاميركي - الاسرائيلي، تدحضه الارقام والنتائج وحجم الخسائر العسكرية والاقتصادية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي تعيشه طهران منذ اشهر، الى جانب تضعضع التماسك الداخلي مع تفاقم الازمة الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية من تضخم مالي غير مسبوق وفقدان سلع اساسية ضرورية يحتاجها المواطن الايراني.. والصناعة الايرانية ايضاً وخاصة العسكرية منها..
وادى هذا الواقع الى ارتفاع منسوب الانقسام الداخلي بين المكونات الايرانية المتعددة عرقياً ودينياً.. مع تجذر مفاهيم النظام الديني الذي لا ينظر الى الخسائر البشرية والمادية الا على انها ضريبة لازمة ومناسبة مهما كانت مرتفعة ولكنها ضرورية لحماية النظام والتمهيد لقيام الدولة الدينية ونهوضها من جديد..
تعاملت ايران منذ بداية الحرب عليها، على انها غيمة عابرة او سحابة صيف تمر سريعاً، وانها قادرة على تجاوزها، ولم تدرك القيادة الايرانية العمق الاستراتيجي لهذه الحرب التي تستهدف بنية النظام باستهداف رأسه الديني والسياسي لارباك سلسلة القيادة والتحكم، ولا زالت طهران حتى الان تعاني من تباين وتعدد مواقف القيادات السياسية وغياب موقع القرار المركزي على المستوى العسكري والسياسي الضابط للمسارين.. مع غياب المشهد والحضور العلني الحقيقي للمرشد الايراني الجديد..(مجتبى الخامنئي).. ومع تباين المواقف بل وتناقضها خاصةً التي تصدر عن القيادات السياسية المتمثلة برئيس مجلس الشوري (قاليباف).. ورئيس الجمهورية (بزشكيان).. ووزير الخارجية (عرقجي).. وهي التي تدعو للحوار والحل الدبلوماسي وتسوية العلاقات مع دول الجوار.. مع التصريحات عالية السقف التي يطلقها رئيس مجلس الامن القومي، محسن رضائي، والتي تتناغم مع التصرفات العدوانية التي يمارسها الحرس الثوري الايراني من قصف لدول الجوار وتحريك الاذرع السياسية والعسكرية في اليمن ولبنان والعراق.. ومحاولة اغلاق المعابر المائية في هرمز وباب المندب.. للضغط على الدول المجاورة والتأثير على مجريات نقل السلع والطاقة الى دول العالم من هذه المعابر الدولية.. لخلخلة الاستقرار الاقتصادي الاقليمي والعالمي، وتصوير ايران على انها دولة مؤثرة ليس في منطقة الخليج بل في العالم باسره..
من الواضح التردد وحالة الضياع التي تعيشها القيادة الايرانية نتيجة تشتتها وانعدام الانسجام بين مكوناتها، لهذا رأينا ان وفد تحالف مكة، الذي يضم (السعودية وباكستان وتركيا) زار طهران والتقى محسن رضائي.. لانه كما بدا جلياً لكل مراقب، انه يملك القرار النهائي بالتنسيق مع الحرس الثوري، وزيارة بزكشيان الرئيس الايراني الى موسكو عقب هذه الزيارة انما تهدف لان تقوم موسكو بلعب دورٍ مؤثر في الضغط على الحرس الثوري لوقف ممارساته، والتوصل الى تسوية تحفظ النظام قبل ان ينهار بالكامل.. نتيجة الضغط الاميركي..
وقد بدا هذا التشتت الذي تعيشه القيادة الايرانية منذ مطلع الحرب، في الظهور، حين توسلت ايران تركيا للعب دور الوسيط، لوقف الحرب الاميركية، والى جانبها دولة عمان الخليجية، ومع احتمال نجاح المبادرة التركية اندفعت ايران للتمسك بالدور العماني، ثم انتقلت المفاوضات برعاية عمانية الى جنيف، واستبعدت تركيا تماماً.. ولكن دون نتيجة، ثم دخلت دولة باكستان على خط الوساطة بالتعاون مع دولة قطر، وصولاً الى تفاهم اسلام اباد الذي انهار واختفت مفاعيله كما اختفى تأثيره مع عدم التزام ايران بما تم الاتفاق عليه..
وانتقلت بعدها المفاوضات الى نيويورك مع دورة الامم المتحدة السنوية، وقاد المفاوضات وزير الخارجية الايراني عرقجي.. حتى وصل الى حائط مسدود بسبب رفض الحرس الثوري لمفاوضاته وتمت المطالبة باحالته الى التحقيق لمخالفته اوامر المرشد الغائب والمغيب..
ومع ذلك بقيت الوساطة الباكستانية تسعى للعب دور ايجابي دون جدوى.. والزيارات التي قام بها وزير خارجية ايران عرقجي لدول المنطقة والاتصالات الهاتفية التي اجراها لم تقدم جديداً، ومع تفاقم ازمة الحصار الاميركي والتهديد مؤخراً باطلاق موجة قصفٍ جديدة، ادخلت ايران الدولة الروسية في مزاد وبازار المفاوضات بعد زيارة بزشكيان الى موسكو، ووصل وزير خارجية روسيا لافروف الى طهران لاعلان استعداد موسكو العمل على ايجاد حل دبلوماسي للحرب الاميركية – الايرانية.. وجرى بالفعل اتصال هاتفي بين الرئيس الاميركي ترامب مع نظيره الروسي بوتين.. ولكن دون تحقيق اي خرق سياسي حقيقي..
ما رايناه خلال الايام الماضية من زيارات مكوكية روسية – ايرانية، وزيارة وفد تحالف مكة، الى طهران، والدور القطري المستجد، الى جانب الغياب الكامل للدور العماني.. ومع ارتفاع منسوب مضمون التصريحات الاميركية التي يطلقها (ترامب).. ندرك ان ما تبلغته ايران من الوفود الزائرة، هو رسالة جدية اخيرة تسبق الكارثة المتوقعة، والتي تقضي بضرورة التوصل الى حل سياسي يرضي الولايات المتحدة، وبان التلاعب المتواصل بتفعيل او تعطيل وساطات في هذه العاصمة او تلك، والانتقال من واحدة الى اخرى، كما ان التصعيد العسكري سواء في لبنان او اليمن، بعد تحييد ميليشيات العراق، لن يقدم او يؤخر في مسار الاستراتيجية الاميركية في المنطقة.. وان سياسة كسب الوقت غير ذات جدوى مع تفاقم ازمة النظام في الداخل الايراني وتعدد الرؤوس السياسية والعسكرية، الى جانب الازمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة نتيجة الحصار والمجهود الحربي..