• لبنان
  • الأربعاء, أيار 13, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 8:46:27 م
inner-page-banner
مقالات و تحليلات

استباحة الاحتلال للآثار اللبنانية والاعتداء عليها

بقلم د. امل طعان جفال مديرة البيئة والتنمية في نقابة الغواصين المحترفين في لبنان.

يحرقون الحجر، فيظنون أن التاريخ سيموت. يقصفون الأعمدة، فيتوهمون أن الذاكرة ستُدفن تحت الركام. لكنهم يجهلون معادلة هذه الأرض: من رمادها دومًا يولد الفينيق.

ما يجري اليوم ليس حربًا على الجغرافيا وحدها، بل هو استهدافٌ منهجيّ لروح لبنان المحفورة في الصخر منذ ستة آلاف عام. من معابد بعلبك التي تئنّ تحت القصف، إلى قوس النصر في صور الذي يواجه البحر وحيدًا، إلى المدرج الروماني الذي شهد أمجادًا قبل ألفي عام… الاحتلال لا يطلق النار على الحاضر فقط، بل يغتال الماضي والمستقبل معًا.

والجريمة لا تقف عند القصف. الجنوب، تلك الخزنة المدفونة للحضارات، لم تُنقَّب أرضه بعدُ كما يجب. تحت كل تلة فيه مدينة، وتحت كل حقل طبقة من تاريخ الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والعرب. الاحتلال يدرك هذا الكنز، لذلك كانت السرقة المنهجية للآثار جزءٌ من عدوانه التاريخي: من تماثيل تُهرّب ليلًا، إلى قطع نادرة تظهر بعد سنوات في مزادات أوروبا. يسرقون الجسد، ويسرقون الدليل على أن هذه الأرض لنا.

وفي قاعة المحكمة، يتقدم الشهود بالأرقام:

1. شهادة اليونسكو: الحصانة القصوى تحت النار

على وقع الغارات، منحت منظمة اليونسكو “حماية معززة” لـ34 موقعًا تراثيًا لبنانيًا في جلسة طارئة، بينها بعلبك وصور وتبنين، ثم رفعت العدد إلى 39 موقعًا لتشمل معالم كبرى إضافية. هذه أعلى درجة حماية قانونية يمنحها القانون الدولي، وأي اعتداء متعمد عليها يُعد “انتهاكًا جسيمًا” لاتفاقية لاهاي 1954 ويفتح باب المساءلة كجريمة حرب.

2. شهادة الركام: ماذا دُمّر على الأرض؟

• تبنين: القلعة الصليبية تضررت وسقط أحد جدرانها.

• النبطية: غارات دمّرت سوقًا كاملًا يعود إلى الحقبة العثمانية.

• صور: تضرّر تحصين من العصر البيزنطي، وانهارت بيوت عثمانية في الحي القديم. كما سقطت غارة على بعد خمسين مترًا فقط من الآثار، ما أدى إلى مقتل شخصين على الأقل وتدمير 400 شقة.

• شمع: قلعة القرن الثاني عشر ومقام شمعون الصفا فُجّرا عمدًا بالمتفجرات.

• بعلبك: غارات دمّرت مبنى عثمانيًا عمره قرون على بعد أمتار من المعابد الرومانية.

3. شهادة المنظمات: التوصيف القانوني

رأت منظمة العفو الدولية أن التدمير يشكل خرقًا للقانون الإنساني الدولي، ودعت إلى التحقيق في الأفعال باعتبارها جرائم حرب. أما وزارة الصحة اللبنانية فأحصت 1,268 قتيلًا على الأقل، ونزوح أكثر من مليونٍ ومئةِ ألفِ شخص… نزوح البشر يعني نزوح “حراس الآثار” وتركها فريسة للقصف والنهب.

الحكم

لماذا كل هذا الحقد على الحجر؟ لأن الاحتلال يدرك أن أعمدة بعلبك ليست للسياح، بل هي شهادة ميلادنا. لأن قوس النصر في صور ليس بناءً رومانيًا، بل هو توقيعنا على البحر. لأن المدرج الروماني ليس مدرّجًا فارغًا، بل صدى هتاف أجدادنا. يقصفون الشاهد لعلنا ننسى القضية، ويسرقون الدليل لعل العالم يصدق روايتهم.

قصفوا، فازدادت الأعمدة شموخًا بجراحها. سرقوا، فتحولت المتاحف الفارغة إلى محاكم تدينهم. أحرقوا، فصار الرماد وقودًا لذاكرة لا تنطفئ. هذه هي لعنة الجغرافيا التي تلاحقهم: كل حجر يهدمونه يصبح شاهدًا عليهم، وكل قطعة يسرقونها تصرخ باسم أصحابها الحقيقيين.

بين دخان بعلبك، وخراب صور، وصمت المواقع التي لم تُكتشف بعد في الجنوب… لا يتصاعد العجز، بل يتصاعد شيء آخر. من قلب الحريق والنهب، يفرد جناحيه من جديد. هو ليس أسطورة… هو نحن.

يستبيحون الآثار لأنهم يخافون من المعنى الذي تحمله. لكنهم نسوا أننا شعب يحفر تاريخه على الصخر، فإن حطموا الصخر حفرناه على الرماد، وإن سرقوا الرماد كتبناه بالنار.

بعلبك تحترق، صور تُجرح، والجنوب يُنهب… لكن لا شيء يموت؛ فالدم الذي يروي الأرض سيزهر قريبًا بنصرٍ عظيم، ويحلّق كالفينيق من تحت الرماد.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة