بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين - الدكتور وسيم وني ـ بوابة صيدا
في عالمٍ يزدحم بالأسماء والوجوه، يبقى التميّز ذلك الضوء الذي لا يخطئه أحد، ليس لأنه الأعلى صوتاً، بل لأنه الأصدق حضوراً ، فكل إنسان يحمل في داخله توقاً خفياً لأن يكون مختلفاً، أن يُرى، أن يُحترم، أن يُذكر لا كرقمٍ عابر بل كقصة تستحق أن تُروى ، غيرأن كثيرين يقفون عند حدود التمني، منتظرين فرصة استثنائية أو قدرة خارقة، غافلين عن حقيقة بسيطة وعميقة في آنٍ واحد: التميّز لا يُمنح، بل يُصنع… ولا يُصنع إلا حين يقرر الإنسان أن يكون على مستوى نفسه، لا على هامش الآخرين.
فالتميّز يبدأ من لحظة داخلية صامتة، حين يرفض الإنسان أن يرضى بالحد الأدنى، ويختار أن يمنح جهده معنى ، و ليس الأمر متعلقاً بذكاء خارق أو موهبة نادرة، بل بإرادة لا تكل ولا تتعب، ونفسٍ لا تساوم على أحلامها ، فالذين تميزوا في هذه الحياة لم يكونوا دائماً الأكثر حظاً، لكنهم كانوا الأكثر التزاماً، والأكثر صبراً، والأكثر إيماناً بأن الطريق وإن طال يستحق أن يُسلك حتى نهايته ، فالإنجاز العظيم ليس قفزة مفاجئة، بل حصيلة أيام عادية عشتها بطريقة غير عادية وفي كل مرة قاومت فيها الكسل، وكل مرة أتممت عملاً بإتقان، وكل مرة اخترت أن تتقدم خطوة بدل أن تتراجع… كانت لبنة تُضاف في بناء تميّزك، حتى وإن لم يرك أحد في تلك اللحظة.
وفي زمن السرعة، أصبح من السهل أن يختلط التميّز بالضجيج، وأن يُحسب الظهور نجاحاً، والانتشار قيمة ، لكن الحقيقة أن التميّز لا يُقاس بكم يراك الآخرين، بل بما تتركه فيهم من أثر ، هناك من يلمع سريعاً كشرارة، لكنه ينطفئ دون أثر، وهناك من يتوهج ببطء، لكنه يدفئ كل من يقترب منه.
وهنا التميّز الحقيقي لا يحتاج إلى استعراض، لأنه ثابت في جوهره ، و هو أن تكون صادقاً حتى عندما لا يراقبك أحد، وأن تؤدي عملك بإخلاص حتى عندما لا ينتظرك تصفيق ، لأن القيمة لا تُخلق في العلن فقط، بل تُبنى في الخفاء، في تلك اللحظات التي تختار فيها أن تكون أفضل رغم غياب الشهود.
و قد يتشابه الآخرين في الإنجازات، لكنهم يختلفون في المقاصد، وهنا يتحدد وزن التميّز ، فالنية الصادقة ترفع العمل البسيط إلى مرتبة العظمة، بينما النية الفاسدة تهبط بأعظم الإنجازات إلى مستوى الفراغ ، فمن سعى ليخدم، ليبني، ليساعد من حوله ليخفف الألم ليزرع ابتسامة، ليترك أثراً طيباً… حمل تميّزه معنى إنسانياً عميقاً ، أما من سعى ليعلو على حساب الآخرين، أو ليحقق ذاته بأي وسيلة، فقد خسر جوهر التميّز حتى وإن كسب شكله ، ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان في رحلة تميّزه، هو أن ينجح في الظاهر ويخسر في الداخل ، وأن يربح التصفيق ويخسر احترامه لنفسه وهنا، يصبح التميّز قناعاً، لا حقيقة ويخسر الانسان نفسه.
لذلك فالطريق إلى التميّز ليس مفروشاً بالورود، بل مليء بالاختبارات التي تكشف معدن الإنسان وقيمه وأخلاقه ، هناك لحظات تعب، وإحباط، وشك ، وربما شعور بأنك تمشي وحدك ، في تلك اللحظات، يتخلى كثيرون، لا لأنهم غير قادرين، بل لأنهم لم يحتملوا طول الطريق ، وهناك من يضلّ، فيختصر المسافة بطرق ملتوية، ظناً منه أن الغاية تبرر الوسيلة ، لكنه لا يدرك أنه كلما ابتعد عن القيم والأخلاق، اقترب من السقوط أكثر فأكثر لأن الطريق الخاطئ—even إن بدا أسرع—يحمل في داخله بذور الانهيار ، ومن هنا أؤكد بأن الثبات هنا ليس رفاهية، بل ضرورة ، أن تتمسك بمبادئك وقيمك وأخلاقك عندما يكون التنازل أسهل، وأن تصبر عندما يكون الاستسلام مغرياً… هذا بحد ذاته تميّز لا يُشترى و لا يقدر بثمن.
البعض يظن أن العلم وحده كافٍ ليصنع قيمة الإنسان، لكن الواقع يثبت عكس ذلك مراراً ، فكم من إنسانٍ قليل العلم، لكنه عظيم الأدب، استطاع أن يكسب القلوب قبل العقول، وأن يفرض احترامه في كل مجلس وأينما حل ،وكم من واسع المعرفة، غزير المعلومات، لكنه سيّئ الخلق، فخسر تقدير الآخرين ومن حوله رغم علمه ، كما أن قليل العلم يستره الأدب، فيغدو مقبولاً محبوباً، تُغفر له هفواته وزلاته، ويُحاط بالتقدير لأنه يحسن التعامل مع الآخرين ، أما كثير العلم، فإن لم يُحسن تهذيب نفسه، فإن قلة أدبه تفضحه، وتُسقط هيبته، وتجعله مثالاً على أن المعرفة بلا أخلاق قد تكون عبئاً لا نعمة ، لذلك فإن الأدب ليس تفصيلاً صغيراً في شخصية الإنسان، بل هو العمود الذي يحمل كل ما سواه ، وهو الطريقة التي تتحدث بها، وتختلف بها، وتنجح بها ، وهو ما يجعل علمك نوراً، لا سيفاً، وجسراً، لا حاجزاً.
فالقاعدة تقول ليس التميّز في أن تصل فقط، بل كيف تصل ، و ليس أن تكون في القمة، بل من تكون وأنت هناك كثيرون وصلوا، لكنهم تغيّروا، ففقدوا أنفسهم وهم يظنون أنهم وجدوا كل شيء ، والقليلون فقط هم من نجحوا وبقوا كما هم: متواضعين، صادقين، قريبين من الآخرين صادقين مع من حولهم وأنفسهم.
ولذلك أن تكون متميزاً يعني أن تترك أثراً لا يُمحى، لا لأنك الأقوى، بل لأنك الأصدق والأنقى و أن تكون سبباً في رفع الآخرين ومساعدتهم، لا في كسرهم. أن تفتح أبواباً، لا أن تغلقها ، أن تُلهم، لا أن تُرهب.
ختاماً التميّز ليس قصة تُروى عن الحظ، بل حكاية تُكتب بالثقة بالله عزوجل و بالإرادة والتصميم هو طريق يبدأ بخطوة صادقة، ويستمر بثباتٍ لا ينكسر، ويزدهر بقيمٍ لا تتبدل ، ولا تنتظر أن تكون خارقاً لتبدأ، ولا تؤجل حلمك حتى تكتمل الظروف، فالكمال وهم، والبداية هي الحقيقة الوحيدة.
ابدأ من حيث أنت، بما تملك، وكن صادقاً مع نفسك قبل كل شيء ، ازرع في طريقك عملاً متقناً وبسمة وأمل في الآخرين، ونية نقية، وأدباً رفيعاً… وستكتشف أن التميّز لم يكن بعيداً، بل كان يسير نحوك منذ اللحظة التي قررت فيها أن لا تكون عادياً.