تحليل ـ خاص بوابة صيدا
"بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد بحثاً عن دخان أبيض يُنهي عقوداً من التوتر، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قلب الطاولة وتدشين مرحلة "الرهان الأخير" عبر فرض حصار بحري شامل على مضيق هرمز.
هذا التصعيد الدراماتيكي لا يمثل مجرد خنق لشريان الطاقة العالمي، بل هو محاولة جراحية لاستئصال الطموح النووي الإيراني بالبوارج بدلاً من القنوات الدبلوماسية.
ومع تحول مياه الخليج إلى ساحة لمواجهة مفتوحة بين الأساطيل الأمريكية والألغام الإيرانية، يبرز السؤال الوجودي: هل ينجح الحصار في إجبار طهران على الانكفاء النووي، أم أن انفجار "برميل البارود" في هرمز سيشعل فتيل مواجهة إقليمية كبرى لن تنجو من شظاياها عواصم المنطقة، وعلى رأسها بيروت؟
وبما أننا نتابع هذا التطور الدراماتيكي الذي يضع العالم على حافة "حرب المضائق الكبرى"، فلا بد لنا من قراءة المشهد قراءة تحليلية:
"فشل مفاوضات إسلام آباد": سقوط الدبلوماسية وبدء "الجراحة العسكرية"
فشل مفاوضات الـ 21 ساعة في باكستان يعني أن الفجوة بين طهران وواشنطن لم تعد قابلة للجسر بالكلمات. إصرار إيران على "النووي" مقابل إصرار ترامب على "التفكيك الشامل" وصل إلى طريق مسدود.
بعد هذا الفشل انتقلت واشنطن من استراتيجية "الضغوط القصوى" إلى "الخنق المادي"، فالحصار البحري لمضيق هرمز ليس مجرد عقوبة، بل هو عملية عسكرية هجومية تحت غطاء "تأمين الملاحة الدولية".
لغز "الدول المشاركة": التحالف السري خلف الرفض المعلن
إعلان ترامب عن مشاركة دول كانت قد نفت ذلك سابقاً يفتح الباب أمام احتمالين:
الأول (الابتزاز أو الإقناع): أن واشنطن مارست ضغوطاً هائلة على دول إقليمية وأوروبية للمشاركة مقابل حمايتها من تداعيات إغلاق المضيق.
الثاني (التحالف الواقعي): أن هذه الدول تشارك "استخباراتياً أو لوجستياً" بينما تنفي ذلك "سياسياً" لتجنب ضربات انتقامية إيرانية. هذا التضارب يهدف إلى إرباك الحسابات الإيرانية وتشتيت أهداف الرد.
إعلان أمريكا البدء بإزالة الألغام يعني دخول سفن "صائدة الألغام" في مواجهة مباشرة مع ما تبقى من القوة البحرية الإيرانية (أو خلاياها الكامنة)، أي احتكاك هنا سيؤدي فوراً إلى تدحرج كرة الثلج نحو مواجهة شاملة لا تقتصر على الخليج، بل ستمتد لتشمل كافة الأذرع في المنطقة.
الخيار الميداني المباشر: "الرد الانتحاري" في الخليج
إذا نُفذ الحصار فعلياً، ستلجأ إيران إلى استراتيجية "الأرض المحروقة بحرياً":
حرب الألغام الذكية: رغم التهديد الأمريكي، تمتلك إيران آلاف الألغام البحرية (القاعية والطفوية) التي يمكن نشرها عبر زوارق مدنية صغيرة يصعب رصدها، مما يجعل عملية "إزالة الألغام" التي وعد بها ترامب عملية استنزاف دائم ومكلفة جداً.
الزوارق الانتحارية والمسيرات البحرية: استخدام أسراب من الزوارق السريعة المأهولة وغير المأهولة لضرب ناقلات النفط التابعة للدول المشاركة في التحالف الأمريكي، مما يرفع تكاليف التأمين البحري إلى مستويات خرافية تشل التجارة العالمية.
الصواريخ الجوالة (كروز): استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة (في قطر، البحرين، والإمارات) انطلاقاً من البر الإيراني لإثبات أن "الحصار لن يكون من طرف واحد".
استهداف أمن الطاقة: ضرب منشآت النفط والغاز في دول الجوار (أرامكو، حقول الغاز في شرق المتوسط) لإجبار العالم على الضغط على واشنطن لفك الحصار مقابل استقرار أسعار الطاقة.
حتى مجرد الحصار على هرمز يعني قفزة جنونية في أسعار النفط عالمياً وتأثر إمدادات الغذاء، مما سيترجم فوراً أزمات معيشية في الكثير من دول العالم، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية.
و بما أن فشل المفاوضات كان سببه الملف النووي كما قال "ترمب" فقد ترد إيران بـ:
رفع التخصيب إلى 90% والإعلان رسمياً عن الوصول إلى "العتبة النووية" أو حتى إجراء تجربة نووية تحت الأرض (إذا كانت تمتلك القدرة) لفرض واقع "توازن الرعب" وتغيير قواعد اللعبة من "حصار اقتصادي" إلى "اعتراف بالقوة النووية".
فـ إيران لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تشاهد "خنقها" بحرياً. خيارها الأساسي سيكون "العولمة الأمنية للأزمة" أي جعل العالم كله يتألم اقتصادياً وأمنياً طالما أن إيران تتألم.
التداعيات على لبنان
هذا التطور يضع حكومة الرئيس نواف سلام في موقف شديد الحرج والحساسية:
فإذا اشتعل هرمز، فإن قدرة لبنان على "فصل مساره" تصبح شبه مستحيلة لأن المنطقة ستدخل في حالة "وحدة الساحات القسرية" بفعل الانفجار الكبير.
وسيزداد الاحتقان بين الشارع المؤيد لـ "حياد لبنان" وتجنيبه المحرقة، وبين الشارع الذي يرى في الحصار الأمريكي على إيران استهدافاً مباشراً لمحور المقاومة بالكامل، مما قد يسرع من وتيرة "الشارعين المتقابلين" في عموم لبنان.
نحن إذاً أمام "لحظة كسر عظم"، ترامب يريد إنهاء الملف الإيراني "بضربة قاضية" اقتصادية وعسكرية، وإيران تجد نفسها في وضع "الشمشون" الذي قد يهدم المعبد على الجميع إذا مُنعت من تصدير نفطها أو استكمال طموحها.
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..