بوابة صيدا
نزل عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع مدريد ومدن إسبانية أخرى، يوم السبت، على خلفية أزمة السكن المتفاقمة، وذلك غداة رفض البرلمان الإسباني إجراءات قدمتها الحكومة لاحتواء الأزمة، في ضربة سياسية جديدة لرئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز.
أرقام متباينة وتحركات في عدة مدن
قدّرت السلطات الإسبانية عدد المشاركين في التظاهرة المركزية بالعاصمة مدريد بسبعين ألف شخص، بينما قال المنظمون إن العدد ناهز نصف مليون متظاهر . ولم تقتصر التحركات على العاصمة، إذ شهدت مدن أخرى مثل بلنسية وبلما دي مايوركا وسانتاندير وثيغوفيا وتوليدو مظاهرات مماثلة، بينما أُرجئت احتجاجات مقررة في برشلونة بسبب الأمطار الغزيرة .
وفي بلنسية، وقعت مواجهات بين المتظاهرين وعناصر الشرطة، التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي لتفريق الحشود، ما أسفر عن اعتقال خمسة أشخاص على الأقل .
مشهد الاحتجاج: خيام ومطالب بالإضراب العام
سار المتظاهرون في أحد الميادين الرئيسية بمدريد خلف لافتة كبيرة كُتب عليها "نحو الإضراب العام"، في إشارة إلى تصعيد مرتقب للحركة الاحتجاجية. وفي ساحة بويرتا ديل سول وسط العاصمة، أقام مئات الناشطين مخيماً لليوم السابع على التوالي، مع استمرار وصول مزيد من المشاركين، وفق ما أفادت به وكالة "فرانس برس" .
وقالت فاليريا راكو، المتحدثة باسم اتحاد المستأجرين الذي ينظم الحركة الاحتجاجية: "ما يمكن الشعور به في الشوارع هو طاقة جديدة، طاقة لم نرها منذ فترة طويلة... هنا تبدأ السياسة الحقيقية، السياسة التي لطالما انتمت للشعب والتي تعود نهائياً إلى الشوارع" . وأضافت أن المنظمين ينسقون مع نقابات عمالية للإعداد لإضراب عام .
قصة "ماري كارمن": الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات
تعود جذور الأزمة الحالية إلى نحو عشرة أيام، عندما أُجبرت ماري كارمن أباسكال، وهي امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً وتتنقل على كرسي متحرك، على مغادرة الشقة التي سكنتها لأكثر من سبعين عاماً في حي ريتيرو الراقي بالعاصمة مدريد .
ووفقاً لاتحاد المستأجرين، اشترت شركة عقارية المبنى الذي تقع فيه الشقة عام 2018، ثم رفعت الإيجار الشهري بنسبة 275%، من 500 يورو إلى 2650 يورو، قبل أن تخفضه لاحقاً إلى 1650 يورو، وهو مبلغ لا تستطيع أباسكال، التي تتقاضى معاشاً متواضعاً، تحمله .
وبعد معركة قضائية استمرت سنوات، نُفذ الإخلاء القسري صباح 23 أيلول / سبتمبر، حيث نُقلت المرأة على نقالة إلى المستشفى بينما كان العشرات من الجيران والناشطين يهتفون: "ماري كارمن، لست وحدك" .
وقد أثارت صور نقل المسنة على نقالة موجة غضب عارمة في إسبانيا، وسرعان ما تحولت قضيتها إلى رمز لأزمة السكن المزمنة في البلاد.
وقالت أباسكال في تصريحات لاحقة: "لم أتمكن من الدفاع عن منزلي، لكنني قاتلت حتى يتعلم الآخرون القتال من أجل ما هو حقهم" .
رفض برلماني يفاقم الأزمة
جاءت التظاهرات غداة تصويت البرلمان الإسباني، يوم الجمعة، على مشروعي قانونين قدمتهما حكومة سانشيز لاحتواء أزمة السكن. وكان من بين الإجراءات المقترحة: تمديد تلقائي لعقود الإيجار حتى عام 2028، وتشديد القيود على الإيجارات قصيرة الأجل، وحظر استحواذ "الصناديق المضاربة" على المساكن، وتقييد عمليات إخلاء المستأجرين من الفئات الضعيفة .
غير أن مشروعي القانونين سقطا في البرلمان بعد تصويت أحزاب المعارضة، بما فيها الحزب الشعبي المحافظ وحزب "فوكس" اليميني المتطرف، إلى جانب الحزب الانفصالي الكتالوني "معاً من أجل كتالونيا"، الذي كان يقدم دعماً برلمانياً للحكومة حتى العام الماضي.
وبررت المعارضة رفضها بأن هذه الإجراءات "ستقلص المعروض من المساكن وسترفع الإيجارات أكثر" .
و تواجه إسبانيا، البالغ عدد سكانها نحو 50 مليون نسمة، فجوة متزايدة بين الطلب على المساكن والمعروض منها. ويقدّر البنك المركزي الإسباني العجز بنحو 700 ألف وحدة سكنية.
كما تُعد إسبانيا من أدنى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في نسبة المساكن العامة للإيجار، إذ لا تتجاوز 2% من المعروض المتاح، مقابل متوسط أوروبي يبلغ 8% .
وقد ساهمت عوامل عدة في تفاقم الأزمة، من بينها الإيجارات السياحية قصيرة الأجل التي يُتهم قطاع من الملاك بتحويل المساكن إليها، وتدفق صناديق الاستثمار العقاري التي تشتري المباني وترفع الإيجارات، إضافة إلى النمو السكاني الناجم عن الهجرة والتوسع السياحي في المدن الكبرى .
(المصدر: وكالات + إعلام إسباني)