بوابة صيدا
في قلب محافظة الفيوم المصرية، حيث تختلط مرارة السعي اليومي بكرامة الكسب الحلال، سطّر عامل البناء البسيط "العم صلاح" ملحمة إنسانية استثنائية في التضحية والإصرار، متحملاً عناء الشقاء لعقود طويلة ليزرع الأمل في قلب بيته، حتى أثمرت عرق جبينه عن إنجاز نادر بتخريج بناته الثماني كطبيبات في مختلف التخصصات.
رحلة الـ 35 عاماً بين الخرسانة والأمل
على مدى أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، قضى العم صلاح زهرة شبابه في مشقة أعمال البناء والتشييد تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء، حاملاً على كاهله ثقل الحياة ومتطلباتها المعيشية الضاغطة. ورغم قسوة الظروف المادية وضيق ذات اليد، لم يفسح المجال لليأس أو الاستسلام، بل جعل من كل لبنة يرفعها في مواقع العمل طوبةً يشيّد بها حلم تعليم بناته ورعايتهن.
كان يؤمن يقيناً بأن التعليم هو السلاح الأقوى لمواجهة عاديات الزمن، والنافذة الوحيدة التي ستمنح بناته مستقبلاً آخراً يتجاوز شقاء المهن الشاقة، فكرّس كل ما يملك من قوة وجهد في سبيل توفير البيئة الملائمة لدراستهن وتفوقهن.
ثمار الشقاء: بيتٌ يعج بالطب والرحمة
أثمر هذا الإيمان العميق والجهد الصامت عن قصة نجاح تفيض بالفخر، إذ استطاعت البنات الثماني، برعاية والدهن ودعمه المستمر، التفوق في دراستهن والتخرج جميعاً من كليات الطب، ليتحول منزل العامل البسيط إلى حصن علمي وإنساني يخرج منه المعالجون والمضاوون لأوجاع الناس.
تتجاوز قصة "العم صلاح" حدود النجاح الأسري الشائع لتصاغ كوثيقة إنسانية تؤكد أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالأرصدة الثابتة أو الثروات المادية، بل بما يغرس في العقول والأنفس من عزيمة وأخلاق.
وتظل هذه الملحمة شاهدة على أن خلف كل نجاح مبهر أباً آثر الشقاء في صمت ليصنع من أحلام أبنائه واقعاً يشار إليه بالبنان.