بوابة صيدا
في السابعة عشرة من عمرها، كانت "ريم" تبدو لمن يراها كأقحوانة تفتحت في ربيع الحياة؛ رفاهيةٌ يلمسها الجميع، وابتسامةٌ متأنقةٌ لا تغادر محياها. غير أن خلف تلك البسمة الزائفة كان يختبئ حزنٌ دافين، وجرحٌ رهيب غائر في أعماق قلبها الصغير.
بدأت مأساة "ريم" وهي بعد لم تتجاوز عامها الثاني، حين أينعت كالثمرة الوحيدة لزواجٍ أحرقت ناره الأوهام.
كانت أمهَا عروساً في ربيع العمر، قادها القدر إلى رجلٍ استسلم لرفقاء السوء، فجرّوه إلى هاوية الظلام والدفء الكاذب في عالم المخدرات.
ذاقت الزوجة ألوان المرارة وهي تحتضن طفلتها الرضيعة، حتى ضاقت بها سُبل الصبر، فنزعت نفسها وطفلتها من براثن ذلك الجحيم، ونالت حريتها بطلاقٍ نجت به مع وليدتها.
كبرت الصغيرة "ريم" شيئاً فشيئاً، ومع كل إشراقة شمس كانت الأسئلة البريئة تدمي قلبها: "لماذا تحظى بَناتُ خالاتي بآبائهن وأنا لا؟ أين أبي؟".
لم تكن تعرف لكلمة "بابا" طعماً، وظلت نبرتها غريبة على لسانها.
ولأن الأم اضطرت للعمل في مدينة أخرى لتعيل طفلتها وتوفر لها حياة كريمة، كانت تغادر البيت منذ السادسة صباحاً ولا تعود إلا في السابعة مساءً، لتسقط من شدة التعب والإرهاق. وبذلك، حُرمت ريم حتى من حنان الأم إلا لساعة أو ساعتين خاطفتين، لتربيها أروقة بيت جديها.
أما ذلك الأب قاسي القلب، فكان طيفاً غائباً في مدينة أخرى، يلهو ويهوي من دركٍ إلى درك في ظلمات الإدمان، لا تراه ابنته إلا في زيارات عابرة متباعدة، قبل أن تُقطع أخباره تماماً، ويصلها أنه تزوج وأنجب ابناً ونسي قطعةً من روحه تركها خلفه.
ومع دخول "ريم" عامها الثالث عشر واستقبالها مرحلة دراسية جديدة، طرق بابها خبرٌ أليم كالصاعقة، لقد توفي والدها في المستشفى بعد أن أنهكت المخدرات جسده.
لم تُتح لريم فرصة وداعه، ولا حتى نظرة أخيرة على جثمانه.
بكت دمها قبل دموعها، و زفرت آهات واسقطت عبرات، فقد كان يراودها أملٌ طفوليّ خفيّ بأن تكبر يوماً لتمسك بيده وتصلح ما أفسده الدهر، لكن القدر كان أسرع.
تجلت عظمة ريم في صبرها، تقبلت قضاء الله بقلبٍ خاشع ولسانٍ يدعو للراحل بالرحمة والمغفرة، ومضت في طريقها متفوقةً ومتميزة في دراستها.
غير أن غصةً ظلت تسكن حلقها، فكلما جرى ذكر الآباء أمامها، تطأطئ رأسها خجلاً من ماضٍ مشين لم تجنِ منه سوى حرمانٍ وأوزارٍ لم تكن طرفاً فيها.
العبرة من القصة
إن الانغماس في الشهوات والاندفاع خلف اللذات الرخيصة والمخدرات لا يدمر الفرد وحده، بل يحرق أسراً بكاملها ويغرس الخنجر في قلوب الأبرياء.
قد يظن العاصي أنه يدفع ثمن متعة عابرة، لكن الحقيقة أن "لكل رخيص ثمن غالي" يدفعه الأبناء من مشاعرهم، واستقرارهم، وحنان طفولتهم.. وتقوى الله ومخافته هما الحصن الوحيد لحماية الفطرة وصيانة الأمانات.
ـــــــــــ
إقرأ ايضاً