منذ ساعات الفجر الأولى، بدأت إسرائيل صب الجحيم على غزة في مشهد شبيه بيوميات حرب الإبادة التي بدأت أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لعامين، مخلفة أزيد من 71 ألف شهيد معظمهم نساء وأطفال.
ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبدء تنفيذ المرحلة الثانية من خطته لغزة، والتي تتضمن فتح معبر رفح وتشكيل مجلس للسلام ونزع سلاح المقاومة.
ما الذي حدث حتى الآن؟
نقل مراسل الجزيرة أن طيران الاحتلال الإسرائيلي يواصل منذ فجر اليوم السبت قصفه العنيف على مختلف المناطق في قطاع غزة.
وحتى الحين أدى القصف لسقوط 29 شهيدا وعشرات المصابين بالإضافة لاندلاع النيران في خيام النازحين بمدينة خان يونس جنوبي القطاع.
وأعلنت وزارة الداخلية بالقطاع سقوط شهداء ومصابين، جراء غارات إسرائيلية استهدفت مقرا للشرطة بحي الشيخ رضوان شمالي المدينة.
وتظهر خريطة أعدتها الجزيرة أن القصف الإسرائيلي غطى شمال وجنوب غزة.
وطال القصف مناطق مأهولة بالسكان، ومراكز مدنية، ومناطق لجوء يفترض أنها آمنة للنازحين.
وبحسب المعطيات الجغرافية التي أبرزتها الخريطة، تتركز الاستهدافات داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، أي المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش الإسرائيلي، والتي باتت تضم الكتلة السكانية الأكبر في القطاع، بعد عمليات الإخلاء القسري المتكررة.
ما أسباب التصعيد؟
نقلت صحيفة معاريف الإسرائيلية عن جيش الاحتلال قوله إن "موجة الهجمات الجوية على غزة مستمرة، وتأتي ردا على أحداث خطِرة وقعت في اليومين الماضيين تعد انتهاكا لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة" وفق زعمه.
وادعى جيش الاحتلال أن الغارات استهدفت 4 قادة ومسلحين من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بالإضافة إلى مستودع يضم وسائل قتالية وموقعا لتصنيع السلاح وبنى تحتية عسكرية لحماس، على حد قوله.
لكن حماس قالت إن ادعاءات الاحتلال بشأن خرق الحركة اتفاق وقف إطلاق النار كاذبة وهي تبرير لمجازره بحق شعبنا.
وأضافت أن ادعاءات الاحتلال استخفاف بالوسطاء وبالدول الضامنة وبجميع الأطراف المشاركة في ما يسمى مجلس السلام.
من جانبه، لفت الخبير في الشؤون الإسرائيلية وليد حباس إلى أن التقارير الإسرائيلية خلال الأسبوع الأخير تشير إلى خشية متصاعدة داخل الأجهزة الأمنية من تنامي قوة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، مستفيدة من حالة الجمود بين المرحلتين الأولى والثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما يقلق إسرائيل ويدفعها نحو التصعيد.
وأشار الخبير في الشؤون الإسرائيلية إلى أن رؤية حكومة بنيامين نتنياهو تجاه غزة، التي تبلورت خلال عامين من حرب الإبادة، لا تزال قائمة على تهجير السكان أو تقسيم القطاع إلى منطقتين.
وأكد وليد حباس أن هذا التصور يفسر حجم التصعيد وعدد الضحايا، كما يرسم ملامح العلاقة المستقبلية بين إسرائيل وغزة.
كذلك، ربط الخبير العسكري العقيد حاتم كريم الفلاحي بين التصعيد وشعور إسرائيل بأن وقف إطلاق النار فُرض عليها دوليا قبل أن تحقق أهداف الحرب، وعلى رأسها تصفية قيادات وضعتها على قوائم الاغتيال، إضافة إلى فشلها في نزع سلاح فصائل المقاومة.
ما أثر التصعيد على وقف إطلاق النار؟
يأتي هذا التصعيد في وقت حرج بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب حيث يقترب من تشكيل مجلس للسلام بغزة لمواصلة تطبيق خطته في القطاع.
كما يتزامن مع انشغال الإدارة الأمريكية بالحشد العسكري والسياسي ضد إيران.
ومن شأن انفجار الوضع أن يضع المزيد من المطبات أمام خطة ترمب التي يباهي بها يوميا ويدعو قادة العالم للانخراط فيها عبر الانضمام لما يسميه مجلس السلام العالمي.
وقال العقيد حاتم كريم الفلاحي إن القصف المتواصل منذ إعلان الهدنة ليس طارئا، بل امتداد لسلسلة خروقات تجاوزت 1400 خرق، مما يكشف هشاشة آلية وقف إطلاق النار المعتمدة.
وفي وقت سابق، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تعتزم الإعلان الأسبوع الجاري عن تشكيل "قوة الاستقرار الدولية" في قطاع غزة.
ونقلت الهيئة الإسرائيلية، عن مصدر قالت إنه مطلع لم تذكر اسمه، أن إدارة ترمب ستكشف عن إنشاء القوة الدولية في غزة، إلى جانب الإعلان عن قائمة الدول التي وافقت على إرسال جنود للمشاركة فيها.
ما ردود الوسطاء، وهل من موقف دولي؟
قالت القاهرة عصر اليوم السبت إنها تدين "بأشد العبارات الانتهاكات الاسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار" الساري منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر، معتبرة أنها "تمثّل تهديدا مباشرا للمسار السياسي، وتعرقل الجهود المبذولة لتهيئة المناخ الملائم للانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارا في قطاع غزة على الصعيدين الأمني والإنساني".
وناشدت مصر "جميع الأطراف الالتزام الكامل بمسؤولياتها في هذه المرحلة الدقيقة، والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس، بما يسهم في الحفاظ على وقف إطلاق النار واستدامته".
وعادة في مثل هذه المواقف ينخرط الوسطاء القطريون والأتراك والمصريون في محادثات مع الأمريكيين لاحتواء التصعيد.
وقال مدير مكتب الإعلام الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتحمل مسؤولية الصمت تجاه ما وصفها بالجرائم المستمرة، مطالبا المجتمع الدولي بخطوات عملية توقف القتل اليومي في غزة.
وفي وقت سابق، قالت المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا ألبانيزي، إن ما يجري في قطاع غزة لا يمكن وصفه بهدنة إنسانية، مؤكدة أنه "لم تكن هناك هدنة أبدا"، في ظل استمرار القتل والقصف من جانب إسرائيل، وغياب أبسط مقومات الحياة.
وأضافت ألبانيزي أن الأزمة في غزة باتت واضحة تماما، لكن العائق الأكبر أمام إنهائها يتمثل، بحسب تعبيرها، في دعم الولايات المتحدة وحلفائها لإسرائيل، معتبرة أن تل أبيب جزء لا يتجزأ من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وأن ما يجري بحق الفلسطينيين هو انعكاس مباشر لهذا الدور.
ما حجم التداعيات الإنسانية لهذا التصعيد
نزح معظم سكان غزة خلال الحرب، ولا يزال مئات الآلاف يعيشون في خيام أو ملاجئ مؤقتة.
ومن شأن عودة إسرائيل للحرب أن تتسبب في مضاعفة معاناة النازحين والمرضى.
وتحدث مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة محمد أبو سلمية عن وصول أعداد كبيرة من الجرحى بحالات حرجة إلى المستشفيات، ووجود ضحايا ما زالوا تحت الأنقاض.
وأضاف أبو سلمية -في تصريحات للجزيرة- أن الطواقم الطبية تعمل بأقصى طاقتها وسط نفاد أدوية الطوارئ والتخدير ونقص كبير في مستلزمات الجراحة، خصوصا جراحة العظام والأوعية الدموية والجهاز العصبي، مما يحرم كثيرا من الجرحى من فرص إنقاذ ممكنة.
هل يؤثر انفجار الوضع على معبر رفح؟
من المتوقع إعادة فتح معبر رفح الحدودي مع مصر غدا الأحد، بعدما ظل مغلقا معظم فترات الحرب.
لكن حكومة نتنياهو قد تعمد إلى استغلال التصعيد في مواصلة إغلاق المعبر، الذي يمثل فتحه بندا أساسيا في المرحلة الثانية من خطة ترمب.
وتتسق عرقلة فتح المعبر مع إعلان إسرائيل في وقت سابق أنه سيفتح جزئيا تحت مراقبتها.
وأفادت تسريبات مؤخرا بأن إسرائيل تمانع في فتح المعبر، وأنها ستعمل على السماح بخروج الفلسطينيين دون قيود، ولكنها ستتبنى إجراءات مشددة لإعاقة دخولهم للقطاع عبر المعبر.
(المصدر: الجزيرة + وكالات)