يبذل الجيش الإسرائيلي (IDF) وإسرائيل في المجال العلني كل ما في وسعهما للنأي بالنفس عن أزمة الاحتجاجات الجارية في إيران، تفاديًا للوقوع في مرمى نيران طهران، لا سيما الصواريخ الباليستية.
لكن ماذا عن الموساد الذي يعمل في الظل؟
في الواقع، لم يعد الموساد يعمل في الظل داخل الجمهورية الإسلامية كما كان في السابق.
ففي يونيو/حزيران 2025، شارك مئات من عملاء الموساد في حرب إسرائيل التي استمرت 12 يومًا، وأسفرت عن إرجاع البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وأنظمة الدفاع الجوي إلى الوراء، إضافة إلى مقتل عشرات من كبار القادة العسكريين ومسؤولي الاستخبارات الإيرانيين.
وعقب الحرب، أدلى رئيس الموساد ديفيد برنيع بتصريح نادر وصادم، لمّح فيه إلى أنشطة الجهاز داخل طهران، حين قال لعناصر الموساد وللرأي العام في إسرائيل: «سنواصل التواجد هناك، كما كنا دائمًا».
وفي 29 ديسمبر/كانون الأول، دعا ما يُعرف بحساب الموساد على منصة «إكس» (تويتر سابقًا) باللغة الفارسية الإيرانيين إلى الخروج والتظاهر ضد النظام، مؤكدًا أنه متواجد معهم جسديًا في المظاهرات.
وجاء في التغريدة: «اخرجوا معًا إلى الشوارع. لقد حان الوقت».
وأضاف الحساب: «نحن معكم. ليس فقط عن بُعد وبالكلمات. نحن معكم في الميدان».
ورغم نفي مصادر في الموساد أي ارتباط رسمي بهذا الحساب، إلا أن من المعروف أن الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وأجهزة أخرى تستخدم غالبًا واجهات غير مرتبطة بها رسميًا لتنفيذ عمليات سرية أو حروب نفسية.
فعلى سبيل المثال، عقب تفجيرات يوليو/تموز 2020 التي دمّرت منشأة نطنز النووية الإيرانية، أعلنت جماعة مجهولة – تبيّن لاحقًا أنها وهمية – مسؤوليتها عن الهجوم.
وقد نسب العالم، بما في ذلك إيران، الهجوم إلى الموساد، وهو ما تؤكده تلميحات غير مباشرة في كتاب رئيس الموساد السابق يوسي كوهين «سيف الحرية»، الذي يكاد يؤكد العملية عبر وصف تفصيلي لأعمال التخريب.
ويوم الثلاثاء، أفاد مراسل القناة 14 الإسرائيلية تمير موراغ بأن جهات أجنبية زوّدت إيرانيين بالسلاح لمساعدتهم في مواجهة قوات النظام التي تُستخدم لقمع المتظاهرين، وهو تقرير أعاد وزير الخارجية الإيراني نشره، مستثمرًا إياه لخدمة أجندته.
ومجدّدًا، نفت مصادر الموساد أي صلة بتقرير موراغ أو أي اعتراف صريح بالتورط في الاحتجاجات، مشيرة إلى أن الظرف الحالي لا يسمح لإسرائيل بالإقرار علنًا بدورها، لما قد يلحقه ذلك من ضرر بالسردية الأساسية المتمثلة في سعي الإيرانيين لتحرير أنفسهم من نظام سلطوي.
وجاءت تغريدات الحساب قبل أسبوعين في خضم احتجاجات اندلعت بسبب انهيار الريال الإيراني، وارتفاع أسعار الوقود، وأزمة المياه التي تعصف بالبلاد على مستوى وطني.
بينيت: أزمة المياه في إيران تترك الناس «محبطين للغاية من الحرس الثوري»
وفي ما يخص أزمة المياه، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت، في مقابلة أجريت عام 2022 ضمن كتاب «استهداف طهران»، إن مراجعة شاملة للسياسات أجراها عند توليه المنصب أظهرت له أن النظام الإيراني «فاسد بعمق وغير كفؤ إلى حد كبير. مساحات شاسعة من الأراضي لا تصلها المياه. تفتح الصنابير فيخرج الطين. هناك مظاهرات في كل مكان، والناس محبطون للغاية من الحرس الثوري».
ورأى بينيت أن هناك فرصًا لاستغلال نقاط ضعف النظام، لكنه شدد، بحسب رواية، على ضرورة أن يكون الموساد أكثر إبداعًا وجرأة.
وكان بينيت حريصًا على ترك بصمته في منصبه الجديد، فشجّع النزعة الهجومية لدى برنيع، كما طرح رؤيته لإسقاط النظام الإيراني عبر استراتيجية «الموت بألف جرح»، على غرار الاستراتيجية الأميركية خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي، والتي تجاوزت الصراع العسكري التقليدي.
وبحسب رواية موازية، لم تكن تلك النزعة متطورة فحسب، بل إن برنيع نفسه دفع بينيت إلى مزيد من الجرأة وتغيير قواعد اللعبة مع إيران لمصلحة إسرائيل.
وفي هذا السياق، أهدى برنيع بينيت كتابًا للكاتب بيتر شفايتزر بعنوان «النصر: الاستراتيجية السرية لإدارة ريغان التي عجّلت بانهيار الاتحاد السوفييتي»، والذي يستعرض عشرات الأساليب غير العسكرية التي استغلت نقاط الضعف البنيوية في نظام سلطوي لإسقاطه تدريجيًا.
إلى جانب كل ما سبق، من المعروف أن إسرائيل تمتلك خبرة واسعة في إيصال السلاح إلى أطراف ثالثة ترى مصلحة في دعمها.
فقد ساعدت إسرائيل جماعات فلسطينية مسلحة مختلفة في مواجهة «حماس» داخل غزة، بل إن زعيم جماعة «أبو شباب» نُقل علنًا إلى مستشفى إسرائيلي في محاولة لإنقاذ حياته عقب حادث تعرض له.
وبحسب تصريحات أوكرانية علنية نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، نجحت إسرائيل في إيصال عشرات صواريخ «باتريوت» إلى أوكرانيا عبر قنوات غير مباشرة، كما سهّلت نقل كميات ضخمة من أسلحة «حزب الله» الروسية الصنع – التي صادرتها إسرائيل خلال غزو لبنان عام 2024 – إلى أوكرانيا عبر طائرات أميركية.
وعلى مدى عقود، وجدت إسرائيل والموساد طرقًا لدعم جماعات أخرى عسكريًا، بما في ذلك في لبنان بين سبعينيات القرن الماضي وعام 2000، وفي أماكن عديدة أخرى.
وبالمثل، اتهمت إيران على مرّ السنين أكرادًا إيرانيين وأقليات إيرانية كبرى أخرى بالتعاون مع الموساد.
ولا يُرجّح أن تتكشف القصة الكاملة لتورط الموساد إلا بعد انقشاع الضباب.
لكن حين يتعلق الأمر بالموساد وإيران، فهناك دائمًا ما هو أكثر مما تراه العين.
(المصدر: جيروزاليم بوست)