• لبنان
  • السبت, كانون الثاني 03, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 8:49:04 ص
inner-page-banner
مقالات

تطبيق القرار 1701 لم يعد ترفًا إجرائيًا بل اختبار للوعي الوطني

داود رمال ـ نداء الوطن

يواجه لبنان اليوم واحدًا من أدق وأخطر اختباراته الوطنية منذ صدور القرار الدولي 1701 واتفاقية وقف الأعمال العدائيّة، في ظلّ تهديدات إسرائيلية متواصلة بتوسيع دائرة العمليات الحربية، وفي لحظة إقليميّة مضطربة لا تحتمل الحسابات الخاطئة ولا المغامرات المكلفة. فالتحدّي لم يعد مرتبطًا بأمور تقنيّة أو إجرائية تتعلّق بآليات تطبيق القرار، بل بات وجوديًا يمسّ جوهر الكيان اللبناني، وحدود الدولة، ووحدة القرار، ومعنى الحماية الوطنية في مواجهة أخطار تتعاظم كلّما غاب منطق الدولة وتقدّم منطق الساحات المفتوحة. في ضوء ذلك كيف تقرأ مرجعية سياسية المرحلة المقبلة؟

المدخل الإلزامي لأيّ مقاربة جديّة لهذا الملف، يبدأ من إعادة الاعتبار الصريح والواضح للمصلحة اللبنانية العليا، بعيدًا من أيّ اعتبار خارجي أو حسابات إقليمية أو رهانات تتجاوز قدرة لبنان على الاحتمال. فالمخاطر المحدقة بالبلاد لم تعد افتراضيّة، ولا يمكن التعامل معها بخطاب تعبويّ أو شعاراتيّ، لأن كلفة أيّ خطأ في التقدير ستكون باهظة على اللبنانيين جميعًا بلا استثناء. وحده الاحتكام إلى مفهوم الدولة الحامية لجميع مواطنيها، بقرارها ومؤسّساتها الشرعية، قادر على توفير شبكة الأمان الوطنية في مواجهة تهديدات عسكرية وسياسية واقتصادية تتقاطع على الساحة اللبنانية.

من هنا، يبرز التحدّي الأكثر حضورًا والمتصل مباشرة بتطبيق القرار 1701، والمتمثل بملف السلاح خارج إطار الدولة. فلا يمكن القفز فوق حقيقة أن استمرار "حزب اللّه" في التعاطي بعناد مع هذا الملف يشكّل عقبة مركزية أمام أي حركة جدية للدولة، سواء في الداخل أم في علاقاتها الخارجية. هذا العناد لا يضعف فقط الموقف اللبناني التفاوضي والدبلوماسي، بل يقيّد الدولة بأشخاصها ومؤسّساتها، ويجعلها في موقع المتهم أو العاجز أو غير القادر على الالتزام بتعهّداتها، حتى عندما تكون هذه التعهّدات من صميم المصلحة الوطنية. المطلوب من "حزب اللّه" اليوم قراءة واقعيّة لبنانية للمشهد، لا قراءة أيديولوجية ولا إقليمية، قراءة تنطلق من ميزان القوى الفعلي، ومن قدرة البلد المنهك اقتصاديًا وماليًا واجتماعيًا على تحمّل تبعات أي مواجهة مفتوحة أو محسوبة بالخطأ.

ورغم كلّ المخاطر الماثلة أمام لبنان، من الجنوب إلى الداخل، ومن السياسة إلى الاقتصاد، فإن مسار بناء الدولة قد انطلق فعليًا، ومعه مسار تكريس حصرية السلاح وقرار السلم والحرب بيدها وحدها. هذا المسار قد يكون بطيئًا، ومتعثرًا، ومليئًا بالعراقيل، لكنه لم يعد خيارًا قابلًا للتراجع، لأن البديل عنه هو الفوضى الشاملة أو الانزلاق إلى مواجهات لا يملك لبنان لا قرارها ولا أدوات إدارتها، وقطار الدولة، مهما تأخر، لن يتوقف، لأن اللبنانيين يدركون أن لا حماية لهم خارجها، ولا مستقبل لهم من دونها.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة حقيقية وشجاعة من قبل "حزب اللّه"، مراجعة تنطلق حتى من أدبيّاته ومراجعِه الفكرية، لا سيّما التحذير العميق للإمام علي بن أبي طالب حين قال: "احذروا نشوة النصر وفتنة الغرور، فإنها تهدم في ساعة ما بني في أعوام". فالتجارب تثبت أن الإحساس بالقوّة أو الانتصار قد يتحوّل سريعًا إلى فخ مدمّر، وأن الغرور السياسي أو العسكري قادر على إسقاط إنجازات راكمت تضحيات هائلة. المراجعة المطلوبة ليست تنازلًا ولا انكسارًا، بل فعل مسؤولية وطنيّة، واعترافًا بأن حماية لبنان لا تكون بتعريضه الدائم لخطر الحرب.

أمّا الدرس الأبلغ، والذي يفترض ألا يُنسى، فهو مسار ما بعد 25 أيار 2000، بكل ما حمله من تحوّلات ومآلات. فقد أثبتت التجربة أن أيّ قتال خارج الحدود، أو ضمن مشاريع إقليميّة لا تراعي خصوصية لبنان وحدوده وقدرته، ليس قتالًا بالمعنى الوطني، بل انتحارًا سياسيًا ووطنيًا. لبنان لا يحتمل أن يكون ساحة رسائل أو صندوق بريد للصراعات الكبرى، ولا يملك ترف المغامرة بمصيره في لحظة اختلال موازين القوى وتبدّل الأولويات الدولية.

لذلك؛ إن تطبيق القرار 1701 لم يعد ترفًا إجرائيًا وتقنيًا ولا مطلبًا دوليًا فحسب، بل هو اختبار للوعي الوطني اللبناني، وللقدرة على تغليب منطق الدولة على منطق السلاح، ومنطق المصلحة الوطنية على منطق المحاور. وأي تأخير في حسم هذا الخيار لن يؤدي إلّا إلى تعظيم الأخطار، فيما الفرصة لا تزال متاحة، وإن كانت تضيق، لإنقاذ لبنان من الانزلاق إلى ما لا تُحمد عقباه.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة