• لبنان
  • الخميس, نيسان 03, 2025
  • اخر تحديث الساعة : 10:30:55 ص
inner-page-banner
الأخبار

"بحر العيد" في صيدا: مظهر للفرح وذاكرة أجيال

محمد دهشة ـ نداء الوطن

منذ عقود، يحتفظ "بحر العيد" في صيدا بمكانته كأحد أبرز معالم العيد، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في فضاء مفتوح على البحر وميناء الصيادين. على مقربة من "خان الإفرنج"، تنصب الأراجيح وتدور "الدويخة"، كما لو أن الزمن لم يغيّر من عادات أهل المدينة وحنينهم إلى أيام العيد الخوالي.

رغم الحداثة وزحف مدن الملاهي الحديثة والألعاب الإلكترونية، يبقى هذا المكان شاهداً على التقاليد التي تناقلتها الأجيال، وجسراً بين ذكريات الكبار ومرح الصغار حتى قيل إن فرحة العيد لا تتم في صيدا إلا إذا لعب الأولاد على المراجيح القديمة، أو من لم يذهب إلى بحر العيد في صيدا كأنه لم يعيّد، أو كمن لم يمرّ عليه العيد.

عند الكورنيش البحري، تتقاطع حكايات المدينة القديمة مع صيحات الأطفال وضحكاتهم. كان "بحر العيد" مساحة أوسع في الماضي، قبل أن يضيق بعد مشاريع تطوير الواجهة البحرية وشقّ الطرقات، لكنه ظلّ في قلوب الصيداويين رمزاً للعيد، يتوارثه الأبناء عن الآباء والأجداد. وها هو لا يزال يستقبل زوّاره من كل الفئات، من دون تذاكر دخول أو حواجز، حيث تتناغم أصوات الأراجيح مع نداءات الباعة وضجيج الفرح.

في زوايا "بحر العيد"، تتناثر البسطات الصغيرة التي تبيع الفول والترمس والمخللات وغزل البنات، تماماً كما كان الحال منذ عقود. يستعيد المكان ملامحه القديمة حين كان سوقاً شعبياً عامراً بالحلوى والمعلّلات والسندويشات، يأتيه الزوّار من كل أنحاء المدينة ليتشاركوا لحظات العيد.

عبد الرحمن الترياقي، أحد ورثة هذا التقليد، يروي كيف ورث عن والده وجده مهنة تشغيل "الدويخة"، مؤكداً أن "بحر العيد" ليس مجرد مكان للترفيه، بل ذاكرة ممتدة وملتقى للأجيال. "هنا كان يلتقي الجميع، يلعب الأطفال وتبتسم الوجوه، ولا يزال هذا المشهد يتكرر مع كل عيد، رغم تقلص المساحة وتغير الزمن".

رغم التطورات التي شهدتها صيدا، ورغم ظهور مدن الملاهي الحديثة في مناطق كثيرة في لبنان والتي تسلب العقول بألعابها الكهربائية، إلا أن "بحر العيد" ظل صامداً في وجه النسيان. لا شيء يضاهي لذة الترفيه في الهواء الطلق، حيث يركب الأطفال الأرجوحة أو يخوضون مغامرة "الدويخة" التي باتت تعمل على محرك ديزل، بعدما كانت تعمل بمحرك يدوي وكان تشغيلها يحتاج إلى قوة الأيدي والعضلات.

ليس الأطفال وحدهم من يجدون في "بحر العيد" بهجةً خاصة، بل حتى الكبار الذين يأتون حاملين ذكريات طفولتهم. الحاج أبو محمد بوجي، أحد روّاد المكان منذ ستين عاماً، يقول: "كنت ألهو هنا صغيراً، ثم اصطحبت أولادي، واليوم آتي بأحفادي لأروي لهم حكايات العيد، وأغرس فيهم حب التقاليد التي قاومت الزمن".

إلى جانب الأراجيح، يحوّل الصيادون قواربهم إلى مراكب سياحية، تأخذ العائلات والأطفال في رحلات بحرية إلى "الزيرة"، جزيرة صيدا الصغيرة، حيث تكتمل متعة العيد بنسائم البحر وأغاني القوارب. ولجذب الزبائن، يعمد أصحاب المراكب إلى تجهيزها بالمقاعد، وإطلاق الأغاني التي تضفي مزيداً من البهجة على الرحلة.

هكذا، يبقى "بحر العيد" ليس مجرد مساحة للهو، بل ذاكرة جماعية تربط أجيال صيدا بماضيها، وتعيد إحياء تقاليد العيد رغم زحف الحداثة. في هذا المكان، لا يزال العيد كما كان: فرحٌ مفتوح على البحر، وحكايةٌ لا تنتهي بين أمواج الذكريات. 

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة