• لبنان
  • الثلاثاء, شباط 24, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 8:29:00 ص
inner-page-banner
الأخبار

الوثيقة الدستورية 1976 التي تضمّنها الطائف 1989

نبيل يوسف ـ نداء الوطن 

في الأسبوع الأخير من كانون الثاني 1976 قرّرت الحكومة فتح الدوائر الرسمية اعتبارًا من الأول من شباط بحيث تتكرّس عودة الحياة الطبيعية، وبدأت بعض المدارس بفتح أبوابها تدريجيًا، لكن ظهرت أزمة جديدة تمثلت بخوف المدرّسين والموظفين من العبور إلى مراكز عملهم الأساسية ما حدا بالمسؤولين إلى القيام بعمليات تشكيل ونقل، وراحت أزمة البنزين تخف وبدأت بعض المصارف تعود إلى العمل تدريجيًا، وتقرر أن يفتح مرفأ بيروت في الأسبوع الثاني من شباط.

لكن التفجيرات الأمنية والحواجز الطيّارة راحت تعرقل مسيرة السلم الموعود حيث عثر في الأسبوع الأول من شباط على جثث لمواطنين مرميّة على جوانب الطرقات في بيروت وعلى طريق بيروت - طرابلس وبيروت - صيدا وبيروت – ضهر البيدر – زحلة وزحلة - بعلبك، والأصعب كانت الشائعات التي زادت الطين بلّة.

وما زاد تخوّف المواطنين انسحاب دوريات الجيش لا سيّما المغاوير عن الطرق الرئيسية، وكانت تلك الدوريات انسحبت بعد المضايقات التي تعرّضت لها وعدم وجود أوامر واضحة بالتصدّي القاسي.

في هذا الوقت، راحت المبادرة السورية تتسابق مع التفجيرات المتنقلة، وهي ترمي إلى التوفيق بين اللبنانيين وإلى ضبط الوجود الفلسطيني المسلّح في حدود الاتفاقات المعقودة مع الدولة اللبنانية. وبعد جولات مكوكية للوفد السوري المؤلّف من وزير الخارجية عبد الحليم خدام واللواء حكمت الشهابي واللواء ناجي جميل، أمكن التوصّل إلى اتفاق سياسي، على أن يتمّ إخراجه خلال الزيارة التي سيقوم بها الرئيس فرنجية إلى دمشق.

السبت 7 شباط 1976 وصل رئيس الجمهورية سليمان فرنجية يرافقه رئيس الحكومة رشيد كرامي إلى مطار دمشق وكان في استقبالهما الرئيس حافظ الأسد، وفي ختام المباحثات صدر بيان سوري لبناني مشترك أكد ضمان دمشق تنفيذ اتفاق القاهرة نصًا وروحًا.

بعد أسبوع من عودته من دمشق، أطلّ الرئيس فرنجية مساء السبت 14 شباط على التلفزيون وألقى خطابًا تضمّن ما اتفق عليه من إصلاحات دستورية تمّ الاصطلاح على تسميتها في دفاتر السياسة والأحوال اللبنانية بـ "الوثيقة الدستورية"، وتضمّنت إجراء إصلاحات سياسية ودستورية، على الشكل التالي:

- توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين، ونسبيًا ضمن كلّ طائفة.

- انتخاب رئيس الوزراء من قبل المجلس النيابي بالأكثرية النسبية.

- يقوم الرئيس المكلف بإجراء المشاورات البرلمانية لتشكيل الوزارة، ويتمّ وضع لائحة بأسماء الوزراء بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، وبعدها تصدر المراسيم.

- اعتماد أكثرية الثلثين في مجلس النواب لتقرير القضايا المصيرية وأكثرية 55 % في انتخاب رئيس الجمهورية في الدورات التي تلي الدورة الأولى.

- وضع نص يجعل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء مسؤولين، وإنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

- إصدار جميع المراسيم ومشاريع القوانين بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وتحمل توقيعيهما، ما عدا مرسومي تعيين رئيس الوزراء وقبول استقالة الوزارة وإقالتها.

- يتمتع رئيس الوزراء بجميع الصلاحيات التي يمارسها عرفًا.

- المواد الأخرى، المرتبطة بإصدار المراسيم والقضاء واللامركزية الإدارية ومجلس التخطيط وقانون الجنسية والسياسة الدفاعية للجيش وغيرها، لا داعي لإيرادها، لكونها تندرج في سياق الإصلاحات العامة الخارجة عن قواعد العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة.

نتج عن زيارة دمشق والاتفاق الذي أعلنه الرئيس فرنجية جوّ من الارتياح لدى معظم القيادات اللبنانية والفلسطينية التي أجمعت على الإشادة بما حصل.

في اليوم التالي، عاد إلى بيروت الوفد السوري الذي ضمّ الوزير عبد الحليم خدام واللواء حكمت الشهابي واللواء ناجي جميل في محاولة لتقريب وجهات النظر وإقناع الذين ما زالوا معترضين بالقبول بالوثيقة الدستورية ودرس إمكانية تشكيل حكومة جديدة أو توسيع الحالية.

مساءً، التقى الوفد السوري الشيخ بيار الجميل في منزله في بكفيا بمشاركة نائب رئيس حزب الكتائب جوزف شادر والشيخ أمين الجميل والدكتور جورج سعاده والأستاذ جوزف أبو خليل.

خلال اللقاء، شرح رئيس الكتائب موقف الحزب المطالب بفرض الأمن أوّلًا قبل البحث بأيّ حكومة جديدة: فحزب الكتائب يجعل قضية الأمن مقياسًا لاشتراكه أو عدم اشتراكه في الحكم، وأنه لن يكون في أي حال من الأحوال حجر عثرة في طريق التبديل الحكومي.

فوجئ المشاركون في اللقاء بالانتقادات التي وجّهها الوزير خدام للرئيس فرنجية، محمّلًا إيّاه مسؤولية تدهور الأوضاع وبالطريقة التهكّمية التي تحدث فيها عن رئيس الجمهورية، ولمّح إلى أن القيادة السورية قد لا تمانع في استقالة الرئيس فرنجية إذا كانت تؤدّي إلى خلاص البلاد.

كلام الوزير السوري لم يمرّ مرور الكرام، فردّ عليه الشيخ بيار الجميل بشكل واضح وصريح بأن الرئيس فرنجية هو رئيس الجمهورية اللبنانية وكرامته من كرامة البلاد، وأمّا مسألة استقالته فهي غير مطروحة لا اليوم ولا في أي يوم، ولا توجد أيّ أسباب تحتم مطالبته بالاستقالة، وسيبقى في منصبه حتى آخر يوم من ولايته الدستوريّة.

بعد مغادرة الوفد السوري، طلب الشيخ بيار الجميل من الدكتور جورج سعاده التوجّه صباح اليوم التالي إلى قصر بعبدا ووضع الرئيس فرنجية في أجواء اللقاء، وخاصة الكلام الصادر عن الوزير خدام الذي يخفي في طيّاته أمورًا غير واضحة وليست في مصلحة البلد، كما طلب من جوزف أبو خليل تخصيص أكثر من افتتاحية في جريدة العمل للتأكيد على موقع رئاسة الجمهورية ورفض المسّ به.

هل ختمت الوثيقة الدستورية آلام اللبنانيين بميثاق سلام جديد؟

لقد بيّنت الأيام القليلة التي تلت إعلان الوثيقة، أن الشعب اللبناني مصمّم على العودة إلى سابق عهده. فما إن هدأت الأوضاع قليلًا، حتى بدأ العديد من أصحاب المحلات والمباني، بإعمار ما هدمته الجولات المتتالية، فيما راحت الشوارع تشهد زحمة افتقدتها منذ أشهر، وسجلت بعض الصحف المحلية عودة الحركة بنسبة 50 % إلى بيروت ومراكز المحافظات في الأيام الأولى التي تلت إعلان الوثيقة.

وفي الوقت نفسه، استمرّ الوفد السوري بتكثيف جهوده في إقناع المعارضين بمضمون رسالة الرئيس فرنجية والتمهيد لمصالحة وطنية تتمّ في مؤتمر عام.

اعتبرت القيادات المسيحيّة أن رسالة رئيس الجمهورية إيجابية وعناوينها تصلح أساسًا للتفاهم الوطني، مسجّلة تقديرها الدور السوري الإيجابي، مكرّرة أن لا بديل عن الدولة ولا حلّ خارج المؤسسات الديمقراطية التي وحدها تشكّل الضمان للمستقبل.

وتوسّع الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية أو توسيع الحكومة الحالية لتضمّ مختلف الأطراف على الساحة اللبنانية، وفي بيان لـ "جبهة الحرية والإنسان"، أكدت حرصها على تسهيل نجاح الوساطة السورية، لكنها اعتبرت طرح مشروع العفو عن العسكريين الذين تركوا وحداتهم وقاتلوا رفاقهم ضربة قاضية للجيش. أمّا في ما خصّ تشكيل حكومة جديدة فتركت لرئيس الجمهورية إمكان إبدال الحكومة الحاضرة بحكومة أمن.

وفي الأسبوع الأخير من شهر شباط، عاد مجدّدًا مسلسل الخطف والخطف المضاد، وكأن يدًا خفية تحرّك الوضع، وراح هذا الهاجس يقلق جميع العابرين على الطرقات ويهدّد بتفجير الوضع مجدّدًا.

وفي مطلع آذار، انفجرت مجدّدًا الاشتباكات على جميع الجبهات، فكانت الحصة الكبرى في عكار. وفي مساء الأربعاء 3 آذار، تعرّضت بلدتا القبيات وعندقت لهجوم واسع شاركت فيه الوحدات العسكرية التي انضمّت إلى "جيش لبنان العربي" بقيادة الرائد أحمد المعماري، ما أدّى إلى سقوط قتيلين من أبناء البلدتين بمكمن، لكن الأهالي، مدعومين من ثكنة عندقت التي بقيت موالية لقيادة الجيش في اليرزة صمدوا. ومنذ ذلك اليوم، بدأ حصار البلدتين حتى دخول القوات السورية في اليوم الأخير من شهر حزيران حيث فكّ الطوق عنهما.

بالعودة إلى الوثيقة الدستورية، وانطلاقًا من موادها، يلاحظ أن نسبة كبيرة من روح "الوثيقة" حلّت في "دستور الطائف"، تماثلًا أو تجسيدًا أو تشبيهًا أو استنساخًا، ومنها على سبيل المثال:

- تقول المادة 24 من الدستور اللبناني بعد تعديلات الطائف عام 1990، "أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقًا للقواعد الآتية: بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ـ نسبيًا بين طوائف كل من الفئتين ـ نسبيًا بين المناطق"، وباستثناء النسبية بين المناطق، هذا ما نصت عليه المادة 24 التي  وردت في الفقرة الأولى من "الوثيقة الدستورية".

أما الفقرة الثانية من "الوثيقة" التي نصّت على انتخاب رئيس مجلس الوزراء من قبل أعضاء مجلس النواب، فهي تماثل الفقرة الثانية من المادة 53 من "دستور الطائف" التي تنص على أن "يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استنادًا إلى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسميًا على نتائجها".

هل كان يجب أن يمرّ على لبنان 14 سنة من القتال وسقوط هذا الكم غير المسبوق من القتلى والجرحى والمعاقين والمهجرين والمهاجرين وخسائر بمليارات الدولارات ليتم إقرار اتفاق الطائف 1989، ولتمر 15 سنة أخرى ليوافق عليه الجميع؟

كان القرار الإقليمي والدولي سنة 1976 باستمرار القتال في لبنان وما كان سيتوقف ولو صدرت أكثر من وثيقة دستورية.    

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة