عيسى يحيى ـ نداء الوطن
لا يزال ملف سلاح "حزب الله"، جنوب نهر الليطاني وشماله، يتقدّم على ما عداه في النقاش الداخلي اللبناني، بوصفه العقدة الأعمق في معادلة الدولة والسيادة. وإذا كان جنوب الليطاني خاضعًا نظريًا على الأقل، لتوازنات دولية وإقليمية واضحة، فإن السلاح شماله يبقى المسألة الأصعب والأكثر حساسية، لارتباطه المباشر ببنية "الحزب" العسكرية والاجتماعية، وبعمقه الجغرافي والبشري، لا سيما في البقاع.
وفيما كان من المفترض أن يعرض الجيش اللبناني خطته المتصلة بملف السلاح شمال الليطاني على مجلس الوزراء يوم الجمعة الماضي، إلا أن زيارة قائد الجيش إلى واشنطن أدّت إلى تأجيل هذا البند. والتأجيل بحد ذاته لا يلغي جوهر الإشكالية، بل يعكس حجم التعقيد السياسي والأمني المحيط بالملف، في ظل تصعيد واضح في خطاب "حزب الله" حيال هذه المسألة.
فالأمين العام لـ "الحزب" الشيخ نعيم قاسم، رفع في أكثر من مناسبة سقف المواقف، مؤكدًا أن النقاش حول السلاح شمال الليطاني ليس مطروحًا بالمعنى الذي يريده بعض القوى الداخلية والخارجية. وفي السياق نفسه، جاء كلام النائب حسين الحاج حسن أخيرًا ليكرّس هذا التوجه، حين قال بوضوح إن "الحزب" ليس لديه ما يقدّمه أو يناقشه في ما يخص هذا الملف، في رسالة مباشرة إلى الدولة ومن خلفها المجتمع الدولي.
غير أن التطور الأبرز سُجّل أمس في بلدة القصر الحدودية في الهرمل، حيث نفذ الجيش اللبناني مداهمة لمطلوبين، شملت تفتيش مركز تابع لـ "حزب الله" ومصادرة آلية عسكرية منه. الحدث بحد ذاته غير مسبوق إذ لطالما شكّلت مراكز "الحزب" مناطق محرّمة أمام القوى العسكرية الرسمية. لكن اللافت كان ما بعد المداهمة: تحرّك "الأهالي"، عبر رسائل صوتية وتحركات ميدانية، لقطع الطرقات ومنع الجيش من مصادرة الآلية.
هنا تظهر دلالة الحادثة بوضوح، فهي المرة الأولى التي يوضع "الأهالي" في مواجهة مباشرة مع الجيش للدفاع عن سلاح "الحزب". وكأن "الحزب" يختبر نموذجًا جديدًا لإدارة الصراع حول سلاحه شمال الليطاني: تحويله من ملف سياسي أمني بين الدولة و"المقاومة"، إلى مسألة حقوق "الأهالي" وسلاح يحمي "الناس" قبل أن يكون جزءًا من معادلة "المقاومة" الإقليمية.
بهذا المعنى، تبدو حادثة الهرمل أشبه بـ "بروڤا" مبكرة لما قد يكون عليه مشهد المرحلة المقبلة، فإذا كان سلاح "الحزب" جنوب الليطاني محكومًا بضوابط اشتباك دولية، فإن سلاحه شماله قد يُدار عبر اشتباك داخلي ناعم، يكون فيه "الأهالي" خط الدفاع الأول، لا "الحزب" مباشرة.
وعليه، لا يمكن قراءة حادثة الهرمل كواقعة أمنية منفصلة أو كخطأ ميداني عابر. ما جرى يعكس توجهًا سياسيًا منظمًا لإدارة ملف السلاح شمال الليطاني عبر المجتمع المحلي، بحيث يُقدَّم السلاح على أنه ملك لـ "الناس" قبل أن يكون ملكًا لـ "الحزب"، وأن الدفاع عنه مسؤولية جماعية لا حصرية تنظيمية.
هذه المقاربة تنقل المواجهة من مستوى الدولة و "الحزب" إلى مستوى الدولة وبيئته الحاضنة، وتؤسس لوقائع جديدة على الأرض، يكون فيها الجيش في مواجهة مباشرة مع "الأهالي"، لا مع البنية العسكرية لـ "الحزب". وبهذا، يصبح ملف السلاح أقل ارتباطًا بشعارات "المقاومة"، وأكثر التصاقًا بإدارة النفوذ والسيطرة، وتكريس معادلة مفادها أن أي محاولة للمقاربة أو المعالجة تمرّ حكمًا عبر المجتمع المحلي بوصفه خط الدفاع الأول عن هذا السلاح.
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..