• لبنان
  • الاثنين, شباط 02, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 11:07:48 ص
inner-page-banner
الأخبار

نوح زعيتر من زئير صَنَعه الإعلام إلى مواء في التحقيق

نورما أبو زيد ـ نداء الوطن

عندما ألقي القبض على نوح زعيتر، على يد الجيش اللبناني في العشرين من تشرين الثاني الفائت، لم يُقابَل الحدث بوصفه نهاية مطاردة طويلة، بل كبداية لسيلٍ من الشكوك والتأويلات. رأى كثيرون في اللقطات المصوّرة المسرّبة مسرحية مدبّرة وركيكة الإخراج، لا سيّما أن المطلوب الأخطر والأشهر، الذي حيكت حوله أساطير العصيان والتمرّد، وتغذت هالته على سردية التحدّي، لم يُبدِ مقاومة تُذكر.

هذا السقوط الصامت لأسطورة المخدرات بهدوء ومن دون ضجيج، جعل التحليلات تتناسل، والتأويلات تتكاثر، والسؤال الأثقل الذي ارتفع كان: هل كانت تلك لحظة انتصار فعلي للدولة، أم مجرّد فصلٍ إضافي في حكاية غيابها المزمن؟ أمّا السؤال الأكثر إحراجًا الذي طفا على الواجهة: هل سلّم نوح زعيتر نفسه طوعًا ضمن تسوية غير معلنة، تقتضي قضاءه بضعة أشهر خلف القضبان، على أن يخرج لاحقًا وفق معادلة «6 و6 مكرّر»، مشمولًا بالعفو المحتمل عن الموقوفين الإسلاميين؟

بين رواية الدولة ورواية الناس، يقف رقمٌ صادم: ألفان وتسعمئة ملفّ تلاحق نوح زعيتر. ملفات تتوزع على مساحة الجغرافيا القضائية اللبنانية، وتتقاطع عند اسم واحد هو «نوح». ففي التحقيقات التي جرت مع موقوفين كثر، اعترف هؤلاء بأن زعيتر يشكّل ضلعًا أساسيًا في قضاياهم.

هنا لا تعود المسألة مجرّد روايتين متقابلتين، بل شبكة اتهامات موثقة، تُحيل السؤال من كيفية توقيف الرجل، إلى كيفية تأخير توقيفه كلّ هذا الوقت، علمًا أن للمصادر العسكرية روايتها حول عملية التوقيف السلسة.

مصدر عسكري رفيع، يؤكّد أن عملية التوقيف كانت ثمرة كمين محكم نفذته مخابرات الجيش بدقة عالية. ووفق المصدر، جرى استدراج نوح زعيتر عبر استخدام الآليات نفسها التي اعتاد موكبه اعتمادها في تنقلاته، ما أفقده عنصر الارتياب، وأوقعه في الفخ من دون أيّ مواجهة تُذكر.

التحقيقات مع عرّاب الممنوعات بدأت لدى مخابرات الجيش في 25 تشرين الثاني الفائت، وقد أفضت بحسب معلومات «نداء الوطن»، إلى تسجيل تناقضات لافتة بين المحاضر. ولم تقف التناقضات عند هذا الحدّ، إذ تبيّن أن إفادات نوح زعيتر أمام المحكمة العسكرية، حيث يتولّى قاضي التحقيق العسكري حسام عطالله النظر في ملفه، جاءت هي الأخرى متعارضة مع ما أدلى به خلال استجوابه لدى مخابرات الجيش.

وهنا يطفو سؤال جوهري: هل تُقرأ هذه التناقضات بوصفها مؤشر ارتباكٍ وتخبّط تحت وطأة التحقيقات، أم أنها جزء من استراتيجية دفاعية محسوبة، تهدف إلى تشويش المسار القضائي وإغراقه في روايات متضاربة؟

يؤكّد مصدرٌ قضائي أن مضمون إفادات الموقوف نوح زعيتر لا يُشكّل مفاجأة بالنسبة إلى القضاء، كما أن التناقضات المسجّلة تُعدّ متوقعة في هذا النوع من الملفات. غير أن القضاء، بحسب المصدر، يعمل على تفكيك الإفادات وربط خيوطها عبر كامل سلّة القضايا المفتوحة، في مسارٍ قضائي معقد يتطلّب وقتًا.

ويجزم المصدر بأن كل ما يُتداول عن ترتيبٍ مسبق أو تسوية محتملة هو في غير محلّه، إذ إن أثقل الملفات العالقة بحق زعيتر، لا سيّما تلك المتمثلة بإطلاق النار على الجيش اللبناني، بطبيعتها وخطورتها، لا تفتح أيّ باب للاستفادة من عفوٍ من أيّ نوع.

في الملفات الثلاثة المحوّلة حتى الساعة إلى القضاء العسكري، لا تبرز في إفادات نوح زعيتر معطيات استثنائية أو اعترافات لافتة، باستثناء قوله إنه كان يزرع خلال السنوات السبع عشرة الفائتة البطاطا والشعير، وإشارته إلى أن شقيق زوجته، ويدعى طوني الحاج، هو الآخر مطلوب للقضاء، وأنه آواه لفترة طويلة بعيدًا عن أعين الدولة، وتنقلا معًا بين لبنان وسوريا.

وإذا كانت اعترافات الملفات الثلاثة المحوّلة غير ملفتة بحدّ ذاتها، فإن اللافت حقاً هو ما انكشف أمام القضاء عن شخصية «الأسطورة» نوح زعيتر.

يقول المصدر إن «الأسد» الذي تزعّم المناطق الجردية من بعلبك إلى العمق السوري، كما رُسِم في المخيال العام، تبيّن في قاعة التحقيق أنه مجرد ظل لزئيره.

ووفق المصدر، فإن الإعلام ضخّم صورته، وراكم حوله هيبة مصطنعة، حتى بدا أكبر من حجمه الفعلي. أمّا في الجلستين اللتين خضع فيهما للاستجواب، فقد ظهر منزوع المخالب، هادئًا إلى حدّ التناقض مع سمعته، أقرب إلى قطٍ أُطفئت أضواؤه فجأة، بعد أن لمع طويلًا في عتمة الأسطورة.

يفيد المصدر بأن زعيتر بدا مُرهقًا نفسيًا إلى حدّ الاستواء، كمن استُنزف حتى آخر ما لديه، ولم يكن يتوقع يومًا أن يجد نفسه خلف القضبان. غير أن شبكة الأمان التي أحاطت به طويلًا راحت تتساقط حلقة حلقة: من مقتل صديقه وشريكه أبو سلّة، وصولًا إلى سقوط سوريا، التي شكّلت في محطّات عدّة ملجأه الأخير عند اشتداد الخناق.

مفارقة لا تقلّ دلالة، أن هذا الانكشاف لم يُبدّد حذر الدولة، إذ يُنقل زعيتر من السجن إلى المحكمة العسكرية بمواكبة ضبّاط، لا ضمن إجراء أمني اعتيادي، بل بوصفه مصنفًا رسميًا كأخطر المطلوبين.

وماذا يقول القضاء عن جلسة يوم غد الثلثاء؟

غداً، تُعقد جلسة الاستجواب الثالثة لنوح زعيتر، إلى جانب متهمين آخرين، وهم غير موقوفين، ويُعتقد أن من بينهم عسكرياً أو أكثر. وبحسب المعطيات، يُرجَّح ألّا يحضر هؤلاء الجلسة، ما قد يفتح الباب أمام إصدار مذكرات توقيف غيابية بحقهم. أمّا زعيتر، فسيساق إلى العسكرية ليستكمل القاضي حسام عطالله استجوابه، ما لم يطرأ أيّ تطوّر استثنائي، كاعتكاف زعيتر، يجمّد موقتًا هذا المسار القضائي المعقد. 

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة