• لبنان
  • الخميس, كانون الثاني 15, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 10:27:14 م
inner-page-banner
مقالات

سياسة التجويع والبرد: كيف تُدار الإبادة دون صوت في غزة…

بقلم الدكتور وسيم وني - عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين ـ بوابة صيدا

في غزة، لم يعد الموت حدثًا مفاجئًا تقوده الطائرات أو تُعلن عنه صفارات الإنذار، بل بات زحفًا بطيئًا، صامتًا، يتسلّل إلى الأجساد عبر البرد والجوع والحرمان ، هناك، حيث يُفترض أن يكون الشتاء فصلًا عابرًا، تحوّل المنخفض الجوي الأخير إلى أداة قتل، وإلى شاهد جديد على مأساة لا تنتهي، تُدار هذه المرة بلا قنابل، ولكن بسياسة متعمدة لترك شعبنا الفلسطيني  وحيدًا في مواجهة الطبيعة.

آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة باتت اليوم تعيش بلا بيوت، بعد أن أُجبرت على النزوح تحت وطأة القصف والتدمير، خيام مهترئة، لا تقي من الرياح ولا تصمد أمام سيول الأمطار، وأصبحت مأوى مؤقتًا لأطفال ونساء وشيوخ ، ومع اشتداد موجة البرد، تحوّل هذا “المأوى” إلى فخ قاتل للأطفال الرُضّع الذين فارقوا الحياة بسبب انخفاض درجات الحرارة، ومسِنّون لم تقوَ أجسادهم المنهكة على الاحتمال، ومبانٍ متصدعة انهارت فوق من احتموا بها، في مشهد يعكس انهيار الحد الأدنى من شروط البقاء على قيد الحياة لا أكثر .

والخطير في هذه المأساة أنها ليست نتاج كارثة طبيعية مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لسياسات وإرهاب دولة منظم وممنهج ضد أبناء شعبنا الفلسطيني ، فالاتفاقات التي نصّت على إدخال مساعدات إنسانية عاجلة، وتأمين مأوى مؤقت لأبناء شعبنا ، جرى الالتفاف عليها بشكل متعمد من قبل سلطات الاحتلال ومنع دخول الكرفانات والخيام الجاهزة ومواد الإغاثة الأساسية لم يكن عجزًا لوجستيًا، بل قرارًا سياسيًا واعيًا ومخططاً له، يترك شعبنا برمته عُرضة للبرد القارس، وكأن الطبيعة استُدعيت لتُكمل ما بدأته الحرب.

حين يُحرم الإنسان من المأوى في ذروة الشتاء، فإن ذلك لا يُصنّف إهمالًا، بل يدخل في إطار استخدام الظروف الحياتية كسلاح ، نعم إنها الإبادة الصامتة ، لا تثير الضجيج، ولا تُظهر صور الدمار المباشر، لكنها تُنتج النتيجة ذاتها: موتٌ بطيء، ومعاناة ممتدة، واستنزاف شامل للحياة ، فهنا، لا يُقتل الإنسان دفعة واحدة، بل يُترك لينطفئ تدريجيًا تحت وطأة البرد والمرض والجوع.

وفي الوقت الذي تغرق فيه خيام غزة تحت الأمطار، ينشغل العالم بملفات أخرى، وتُدفع المأساة الفلسطينية إلى هوامش التغطية الإعلامية والسياسية ، وهذا التجاهل لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، لأن الصمت في مثل هذه الظروف يتحول إلى موقف، وإلى غطاء يسمح باستمرار الجريمة ،حين تُترك صرخات الأمهات بلا صدى، وتُمحى صور الأطفال الذين قضوا بردًا من الذاكرة الجماعية، يصبح العالم شريكًا في الإبادة، لا مجرد شاهد عليها.

فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، تنص بوضوح على حماية المدنيين وقت النزاعات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع العقاب الجماعي بكافة أشكاله ، غير أن هذه القواعد تُفرغ من مضمونها عندما لا تُقابل بآليات محاسبة حقيقية ، فما يجري في غزة يُشكّل انتهاكًا صارخًا لهذه المبادئ، ويكشف عجز النظام الدولي عن حماية أبسط حقوق الإنسان حين يكون الضحية شعبًا كاملاً محاصرًا برمته.

إن ما يحدث اليوم في غزة يتجاوز كونه أزمة إنسانية طارئة، ليصبح نموذجًا خطيرًا لتطبيع المعاناة، واختبارًا قاسيًا لمدى جدية المجتمع الدولي في الدفاع عن القيم التي يرفعها ، حين يُترك شعب كامل ليواجه الشتاء بلا مأوى، وتُستخدم الاتفاقيات كأوراق تفاوض لا كالتزامات ملزمة، فإننا أمام جريمة سياسية مكتملة الأركان، تُرتكب ببطء وتحت غطاء الصمت.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المركّبة، لا يمكن إغفال الجهود التي تبذلها القيادة الفلسطينية في سبيل رفع المعاناة عن أبناء شعبنا في قطاع غزة، سواء عبر التحركات السياسية والدبلوماسية المتواصلة، أو من خلال مخاطبة المؤسسات الدولية والأطراف الفاعلة للضغط باتجاه إدخال المساعدات الإنسانية وتأمين الحماية للمدنيين ، ورغم محدودية الأدوات في ظل واقع الاحتلال وغياب الإرادة الدولية الجادّة، تواصل القيادة الفلسطينية مساعيها لتثبيت القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وفضح السياسات التي تُمارس بحق شعبنا باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

في النهاية إن ما يجري في غزة اليوم يفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تقع على عاتق الاحتلال وحده، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي يملك أدوات المحاسبة ويختار تعطيلها ، وبينما يستمر شعبنا في دفع ثمن هذا الصمت، تبقى الجهود الرسمية الفلسطينية جزءًا من معركة الدفاع عن الحق في الحياة، وعن كرامة الإنسان الفلسطيني، في مواجهة سياسات الحرمان والتجويع والقتل البطيء ، فغزة لا تحتاج إلى بيانات تضامن، بل إلى فعل دولي يُنهي الجريمة، ويعيد للقانون الدولي معناه، وللعدالة وظيفتها، قبل أن يتحوّل الصمت إلى حكمٍ نهائي على الضمير الإنساني.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة