بقلم مدير المركز اللبناني للابحاث والاستشارات: حسان القطب / بوابة صيدا
عام 1985، استلم غورباتشيف السلطة في الاتحاد السوفياتي، مقدماً نفسه رئيساً اصلاحياً، كأمين عام للحزب الشيوعي الروسي، ورئيسا للاتحاد السوفياتي.. وهي الدولة التي عاشت الديكتاتورية المطلقة منذ العام 1917، وهو عام انهيار النظام الامبراطوري الروسي، وسقوط قيصر روسيا، وانتصار الثورة البولشيفية في روسيا، واستلام الحزب الشيوعي بقيادة فلاديمير لينين السلطة.. الذي رسخ وثبت النظام الديكتاتوري، ونظام سلطة الحزب المطلقة، الذي رفض التعددية الحزبية، ورفض الحريات الاعلامية، وسيطر على الدول المجاورة ليضعها تحت سيطرته.. وكان عددها 15 جمهورية خاضعة للسيطرة الروسية تحت مسمى الاتحاد السوفياتي..
الفشل الاقتصادي في الاتحاد السوفياتي، الذي تمثل في التراجع المستمر في الدخل القومي، وارتفاع معدلات الفقر في اوساط الشعب الروسي، والشعوب الخاضعة له، وانغماس النظام الديكتاتوري في الانتاج العسكري وتطوير منظومته العسكرية على حساب بناء الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية للشعب الروسي والشعوب الخاضعة له، كما ان استمرار هيمنة القيادات الشيوعية من الصف الاول على ادارة السلطة، من ليونيد بريجينيف الذي حكم لمدة طويلة حتى وفاته ثم خلاقته من رئيس المخابرات الروسية، اندروبوف، ووفاته بعد فترة وجيزة ومن ثم استلام تشيرنينكو، للسلطة وهو المتقدم في السن ايضاً والذي لم يستمر طوليا ايضاً.. دفعت قيادة الحزب الشيوعي لاختيار شخصية شابة، وهو غورباتشيف، لقيادة الاتحاد السوفياتي، واخراجه من ازمته الاقتصادية والسياسية واعادة انتاج العلاقات المناسبة والمعتدلة واحتواء الغضب الداخلي، فكان ان اعلن عن خطته للاصلاح تحت عنوانين اساسيين.. ( "غلاسنوست" (Glasnost) التي تعني الانفتاح والشفافية، و"بيريسترويكا" (Perestroika) التي تعني إعادة الهيكلة؛ وهما سياستان للإصلاح أطلقهما ميخائيل جورباتشوف في الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينيات لتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية، حيث هدفت الأولى لزيادة حرية التعبير، والثانية لإصلاح الاقتصاد من خلال إدخال بعض عناصر السوق..)..
مجرد اطلاق عناوين الاصلاح هذه، انفجر الوضع الداخلي، مما ادى لانهيار الاتحاد السوفياتي، من الداخل، وتفكك الجمهوريات السوفياتية عن روسيا، واعلان استقلالها، واستعادة حريتها.. كما ان دول حلف وارسو، والتي ضمت الدول التي كان يهيمن عليها الاتحاد السوفياتي، ليواجه بها حلف الناتو الغربي، تخلت عن عضوية الحلف، واتجهت نحو الاستقلال الكامل عن روسيا والاتحاد السوفياتي.. واتجهت نحو اوروبا والعالم الغربي.. والحرب الروسية على اوكرانيا اليوم والحرب الروسية على دولة جورجيا عام 2008، وسبقها الحرب الروسية على جمهورية الشيشان، انما يقودها بوتين الرئيس الروسي الحالي لاستعادة ما خسرته روسيا مع تفكك الاتحاد السوفياتي..
ننطلق من هذا التقديم لنقول ان الرئيس الايراني الحالي (بزشكيان) والذي تم انتخابه عقب مقتل الرئيس المتشدد (رئيس) بحادث طائرة، انما كان الهدف منه اعطاء جرعة امل للشعب الايراني المتعدد القوميات والاثنيات والاعراق والاديان.. والذي يحكم بسلطة دينية مطلقة تحت ادارة الولي الفقيه او مرشد الجمهورية (الخامنئي) الذي لا ترد قراراته ولا تناقش ولا يمكن رفض اوامره..
بزشكيان والذي يتمتع باصول كردية دوره مشابه تماماً لدور غورباتشيف، اي احتواء التراجع الاقتصادي وفتح مساحة حرية اعلامية محدودة، وفتح حوار مع قوى الداخل المتعددة فكانت اولى خطواته التواصل مع الاكراد في شمال العراق، وحتى داخل ايران خاصة وانه يتحدث الكردية الى جانب الفارسية..
كما ان ايران تتشابه مع الاتحاد السوفياتي من عدة جوانب، اهمها التركيز على بناء قدرات عسكرية ومنظومة مسلحة في الداخل كما في الخارج، على حساب رفاهية الشعب الايراني.. مما ادى الى تراجع الدخل القومي وانهيار العملة الايرانية، كما ان التوسع الاستراتيجي الايرلني في الدول المجاورة وحتى في جنوب القارة الاميركية، ادى الى زيادة الاعباء المالية، والضغط على الداخل الايراني، كما ان الهيمنة الفارسية على السلطة وادارة البلاد من خلال نظام ولاية الفقيه واداته الغليظة الحرس الثوري، قد زادت من الانقسام الداخلي بين المكونات الايرانية..
ومن هنا نلحظ ان الانتفاضة الداخلية اليوم في ايران، على خلفية الانهيار الاقتصادي، وهذا باعتراف نظام طهران الذي قرر دفع ما قيمته 7 دولارات شهريا دعما لكل مواطن ايراني، يؤكد عمق الازمة الاقتصادية، وتداعيات التراجع الاقتصادي والمالي.. ونلاحظ مؤخراً ان خطاب الرئيس الايراني بزشكيان اكثر هدوءاً واستيعاباً لانتفاضة الشعب الايراني والمتظاهرين الايرانيين، في حين ان منطق الحرس الثوري والحرس القديم لنظام ولاية الفقيه لا يزال يتصرف بحدة ويطلق التهديدات بحق المنتفضين بدل استيعابهم.. وهذا الواقع ايضاً بدأ يطلق شرارة تحرك القوميات غير الفارسية التي تقع تحت سيطرة وهيمنة المكون الفارسي، وبدأت الى حدٍ ما تطالب بحريتها وخروجها عن سلطة طهران..
فهل يكون الرئيس الايراني الحالي هو آخر رئيس للجمهورية الايرانية كما نعرفها.. وهل يكون مصير ايران التقسيم الى دويلات تبحث عن مرجعية اقليمية كأذربيجان او كردستان او الاحواز او بلوشستان، خاصة وان هذه المكونات عانت كثيرا من نظام طهران حتى ايام حكم الشاه الراحل واستمر الحال على ما هو عليه مع نظام ولاية الفقيه..
ايران امام مفترق خطير، والمشهد المقبل سوف يتضمن متغيرات كثيرة، ومشهد الاتحاد السوفياتي الراحل مع الرئيس الراحل غورباتشيف، وسقوط الحزب الشيوعي والجيش الاحمر، قد يتكرر مع الرئيس الايراني الحالي بزشكيان وسقوط الحرس الثوري.. ومشروع التمدد في العالم العربي والاسلامي.. والسبب واحد الطموحات التوسعية على حساب استقرار ورفاهية الداخل..