• لبنان
  • الثلاثاء, كانون الثاني 13, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 9:09:29 م
inner-page-banner
مقالات

صيدا ليست مكبّاً… كفى مقايضة بصحة الناس

بقلم: آية يوسف المسلماني ـ بوابة صيدا

لم تعد أزمة النفايات في صيدا مسألة تقنية، ولا خلافاً إدارياً يمكن تطويقه بالتصريحات أو التمديد أو شراء الوقت.

ما يجري اليوم هو اختبار حقيقي لمكانة الإنسان في هذه المدينة، ولمعنى أن تكون الصحة العامة خطاً أحمر لا يُمسّ، أو بنداً قابلاً للتفاوض عند أول استحقاق سياسي.

منذ سنوات، جرى التعامل مع صيدا بوصفها مساحة امتصاص للفشل المتراكم في إدارة ملف النفايات.

حلول مؤقتة تحوّلت إلى دائمة، ووعود إصلاح لم تُنفّذ، ومعمل أُنشئ للمعالجة فإذا به يتحوّل، بفعل الإهمال وسوء الإدارة وغياب المحاسبة، إلى مكب مقنّع، يراكم الأذى بدل أن يحدّ منه.

اليوم بدل أن يُفتح ملف هذا الفشل على مصراعيه، وبدل أن يُسأل بوضوح:

من عطّل المعمل؟

من أهمل صيانته؟

من استفاد من استمراره معطّلاً؟

ومن غطّى هذا الواقع سنوات طويلة؟

نُواجَه بمحاولات ضغط لتغيير قرار بلدية صيدا بعدم استقبال نفايات إضافية، وكأن المشكلة تكمن في قرار يحمي المدينة، لا في منظومة انهارت وأُريد لها أن تنهار.

ومن الإنصاف القول إن قرار بلدية صيدا ورئيسها بعدم استقبال نفايات إضافية لم يكن قراراً ارتجاليّاً ولا شعبويّاً، بل جاء استجابة مباشرة لسياسة المجلس البلدي في معالجة الخلل البنيوي في معمل الفرز، وتلبية واضحة لمطالب أهل المدينة الذين لم يعودوا قادرين على تحمّل مزيد من الأذى الصحي والبيئي.

هذا القرار شكّل محاولة جدية لوضع مصلحة صيدا وصحة ناسها في المقدّمة، بدل الاستسلام لمنطق التمديد وشراء الوقت.

والمفارقة الخطيرة أن هذا الموقف، بدل أن يُقابل بالدعم، يواجه اليوم ضغوطاً سياسية كبيرة تطال رئيس البلدية وأعضاء المجلس، بهدف التراجع عنه أو تفريغه من مضمونه.

ضغوط لا تستند إلى حلول فعلية، بل إلى حسابات نفوذ وتحالفات، وكأن المطلوب معاقبة كل من يجرؤ على اتخاذ قرار يحمي الناس.

في هذا السياق، يصبح دعم هذا القرار واجباً عاماً، لا دفاعاً عن أشخاص، بل عن مبدأ: أن صحة المواطنين ليست الحلقة الأضعف، ولا يجوز أن تكون ثمناً لأي تسوية.

المشكلة ليست بين صيدا وجزين، ولا بين مدينة وأخرى، ولا بين ناس وناس.

هذا توصيف مضلل وخطير، ويخدم فقط من يريد الهروب من المحاسبة.

المشكلة الحقيقية هي بين المدن، جميع المدن، ومنظومة فاشلة لإدارة النفايات، وشركة تتصرّف من دون رقابة، ودولة تتدخّل فقط لفرض الأمر الواقع، لا لحماية صحة مواطنيها.

نقل النقاش إلى سجال مناطقي أو سياسي هو أخطر ما في هذه المرحلة، لأنه يهدّد العلاقة التاريخية بين صيدا ومحيطها، ويحوّل الأنظار بعيداً عن جوهر الأزمة: صحة الناس.

لا يجوز السماح بهذا الانزلاق ولا القبول به، ولا التواطؤ عليه بالصمت.

الأكثر استفزازاً في الخطاب السائد اليوم، هو محاولة تطبيع فكرة التأجيل:

ليس الآن،

أعطوا فرصة،

مش وقته.

لكن متى يكون الوقت مناسباً؟

حين تتضاعف الأمراض؟

حين ينهار ما تبقّى من البيئة؟

حين يصبح الهواء ترفاً؟

صيدا لا يمكن أن تكون حلّاً مؤقتاً دائماً.

لا يمكن أن تُدار كمدينة تتحمّل إلى ما لا نهاية، فيما تُدار الأزمات من فوق رؤوس أهلها.

هذه مدينة ساحلية، تاريخية، اقتصادية، استثمارية. بحرها ليس تفصيلاً، وواجهتها البحرية ليست أرضاً سائبة، وأراضيها العامة ليست غنائم.

كل قرار يُتخذ من دون دراسة أثره الصحي والبيئي هو اعتداء مباشر على حق الناس في الحياة الكريمة.

الأخطر من النفايات نفسها، هو إدارة الملف خلف الأبواب المغلقة.

اجتماعات تُعقد، وقرارات تُطبخ، من دون أي مصارحة للرأي العام، ومن دون أي توضيح لمستقبل المدينة.

هذا بحد ذاته خلل ديمقراطي، ويشكّل سبباً إضافياً لفقدان الثقة بين الناس والسلطة المحلية والمركزية.

صيدا ليست ملكاً خاصاً، ولا ساحة تجارب، ولا ورقة تفاوض انتخابي.

الدفاع عن حقها في بيئة نظيفة ليس موقفاً سياسياً، بل واجب قانوني وأخلاقي.

وأي محاولة للالتفاف على هذا الحق، أو تشويهه، أو ربطه بحسابات النفوذ، هي مشاركة مباشرة في تعريض صحة المواطنين للخطر.

دعوة علنية

من هنا يصبح السؤال مشروعاً وملحّاً:

هل تجرؤ بلدية صيدا على الدعوة إلى اجتماع عام مفتوح، يضم القوى السياسية، والنقابية، والبيئية، والاقتصادية، وأهل الاختصاص، وممثلي المجتمع المدني، لوضع كل الملفات على الطاولة أمام الناس؟

وإن تقاعست البلدية، فهل تملك القوى المدنية في المدينة الجرأة الكافية لأخذ المبادرة، والدعوة إلى هذا اللقاء، دفاعاً عن حق الناس في المعرفة والمساءلة؟

لأن المدينة التي تُدار من دون أهلها، تُدار ضدهم.

ولأن الصمت في لحظة كهذه، ليس حياداً بل تواطؤ.

صيدا لا تحتاج إلى من يتغنّى بها، بل إلى من يقول بوضوح:

كفى عبثاً بصحة الناس.

كفى إدارة بالأمر الواقع.

كفى.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة