• لبنان
  • الثلاثاء, نيسان 21, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 8:19:54 ص
inner-page-banner
الأخبار

فرح لا يكتمل وحذر لا يغيب.. شاهد حكايات عائدين عبر مطار بيروت بعد الهدنة

نجية دهشة ـ الجزيرة نت

في صالة الوصول داخل مطار رفيق الحريري الدولي، بدت اللحظة أثقل من مجرد عبور اعتيادي. كانت نور تمشي بخطى هادئة كأنها تمنح العودة وقتها الكامل لتستقر في القلب قبل أن تترجم بالكلمات. حولها، تتداخل حركة العائدين مع أصوات اللقاءات الأولى، فيما ارتسم على ملامحها شعور يصعب اختزاله؛ كأنه مزيج من ارتياح مؤجل وحنين استعاد طريقه أخيرا.

تكتفي بالقول للجزيرة نت إنها "سعيدة جدا"، ثم تبتسم، كأنها لا تزال تجرب وقع فكرة وجودها في لبنان. تتوقف قليلا، تتأمل الوجوه من حولها، وترى في كل عائد قصة مشابهة  تلخص أنه ليس رجوعا إلى مكان فحسب بل إلى تفاصيل يومية أجبروا على تركها.

بعد أكثر من 40 يوما من الاضطراب الحاد الذي أصاب حركة الطيران في لبنان بفعل التصعيد العسكري بين إسرائيل وحزب الله، بدأ مطار رفيق الحريري الدولي يستعيد تدريجيا إيقاعه، مع عودة شركات طيران عربية ودولية إلى تشغيل رحلاتها نحو بيروت، في مشهد يعكس تحولا حذرا في مسار الأزمة.

وكان تدهور الأوضاع الأمنية خلال الحرب قد أدى إلى إلغاء معظم الرحلات التجارية وانخفاض حركة المطار بشكل كبير، قبل أن تفتح الهدنة الباب أمام استئناف تدريجي للرحلات وإعادة ربط لبنان بخطوطه الجوية الأساسية.

ومع بدء هبوط طائرات تجارية لشركات إقليمية ودولية، وعودة أخرى لإعادة جدولة رحلاتها، تبدو هذه الخطوة مؤشرا أوليا على تعافي قطاع الطيران، ولو ببطء، وسط ترقب حذر من الشركات التي تتابع التطورات الميدانية قبل استعادة نشاطها الكامل.

لحظة وصول نور أشعرتها باسترداد جزء من حياة كانت قد انقطعت فجأة، وعادت لتكتمل على عجل. أمنيتها بسيطة، لكنها تختصر الكثير: أن يستمر هذا الشعور وألا تضطر للمغادرة مرة أخرى.

غير بعيد عن نور، كان الشاب يوسف يصل بطريقته الخاصة. خطواته بدت واثقة كأن الرحلة التي قطعها لم تكن مجرد انتقال جغرافي بل عودة مؤجلة منذ سنوات. يقول للجزيرة نت إن ما يشعر به "لا يوصف"، قبل أن يضيف أنه "أجمل شعور في الدنيا"، وأن العودة بالنسبة إليه لا تشبه أي تجربة أخرى؛ فالمغترب حين يعود لا يستعيد مكانا فقط بل يستعيد جزءا من ذاته.

من مكة المكرمة، قضى يوسف 3 سنوات من الانتظار والترقب،  يتابع التطورات ويؤجل قرار العودة مرارا، خصوصا مع تصاعد الأحداث في أواخر رمضان، قبل أن يحسم أمره مع بدء ميل الأوضاع نحو الاستقرار.

يرى يوسف الوضع اليوم مختلفا، إذ بدأ الناس يعودون إلى إيقاعهم، وبدأت الحياة تستعيد شيئا من طبيعتها. تراجع خوفه، وحل مكانه شعور واضح بالارتياح والانتماء.

أما زياد أبو عمر، فبدا أكثر ميلا إلى الصمت الحذر. كلماته قليلة لكنها موزونة بين الأمل والقلق، لا يتحدث عن عودة مكتملة بل عن أمنية بسيطة تشبه ما يريده كثيرون: "أن تهدأ النفوس وتستقر الأحوال". أخبرنا أن ابنه سيصل اليوم أيضا في عودة مؤقتة تحكمها الحسابات الأمنية والأخبار المتقلبة.

تفاصيل صغيرة، تظهر وجها آخر للعودة، فرح لا يكتمل، وحذر لا يغيب، ومع ذلك، لا يتخلى زياد عن الأمل. يكرر رغبته للجزيرة نت بأن "يروق الوضع"، وأن تعود الحياة إلى مسارها الطبيعي حيث يعيش الناس بأمان وسلام.

في صالة واحدة، تتقاطع هذه الحكايات، وتتشابه الأمنيات. بين فرح الوصول وثقل الانتظار، يبدو المشهد كأنه دعاء جماعي صامت: أن تكون الأيام المقبلة أخف، وأن تستقر الحياة بما يكفي ليبقى العائدون حيث ينتمون.

مؤشرات التعافي

وفي بلد يعتمد بشكل كبير على حركة السفر والاغتراب، يحمل هذا الاستئناف دلالات تتجاوز النقل الجوي، ليعكس اختبارا فعليا لمدى استقرار المشهد الأمني وقدرته على إعادة الثقة تدريجيا.

يؤكد رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للطيران المدني محمد عزيز، في حديثه للجزيرة نت، أن الهدوء النسبي الذي أعقب فترة التصعيد انعكس إيجابا على حركة المسافرين، ولا سيما مع تزايد أعداد العائدين إلى لبنان.

ويشير إلى أنه خلال فترة الحرب، كانت حركة السفر تميل إلى المغادرة، إذ بلغت نسبة المغادرين نحو 65% مقابل 35% إلى 40% فقط من القادمين. إلا أن هذا الاتجاه بدأ يتغير في الأيام الأخيرة، حيث سجلت حركة الوصول تفوقا على المغادرة، في مؤشر لافت على عودة الثقة تدريجيا.

ويستدل عزيز بأرقام حديثة تعكس هذا التحول، موضحا أن عدد الركاب القادمين بلغ أمس الأحد 3087 راكبا قادما، مقابل 2943 مغادرا، بعدما كان إجمالي الحركة خلال ذروة التوتر لا يتجاوز 4400 مسافر يوميا. أما اليوم، فقد ارتفع العدد إلى نحو 6000 مسافر، مع تسجيل أرقام متقاربة في الأيام الأخيرة بلغت 6030 و6060 راكبا.

ويعزو هذا التحسن، في جزء كبير منه، إلى سلوك المسافر اللبناني، الذي يبادر إلى العودة فور سماعه مؤشرات التهدئة، ولا سيما إعلان وقف إطلاق النار، وهو ما انعكس سريعا على حركة المطار، بالتوازي مع استئناف عدد من شركات الطيران الأجنبية رحلاتها إلى بيروت، مما أسهم في زيادة عدد الرحلات.

دون طاقته التشغيلية

ورغم هذا التحسن النسبي، يوضح عزيز أن المطار لا يزال يعمل دون طاقته التشغيلية الكاملة، بل بأقل من المعدلات المعتادة بكثير. فخلال الفترة نفسها من أبريل/نيسان من العام الماضي، بلغ عدد القادمين نحو 135 ألفا، والمغادرين 158 ألفا، في حين لا تتجاوز الأرقام هذا العام 27 ألف وافد و38 ألف مغادر، أي ما يقارب 20% فقط من القدرة التشغيلية.

ويشير إلى أن هذا الواقع يخفف الضغط عن المسافرين ويجعل تجربة السفر أكثر سلاسة، إلا أنه في المقابل لا يعد وضعا صحيا من الناحية الاقتصادية، نظرا لتراجع الإيرادات وعدم استثمار الإمكانات التشغيلية بالكامل.

وفيما يتعلق بالمخاوف من تجدد التصعيد، يلفت عزيز إلى أن هذا الملف يبقى خارج نطاق عمل الهيئة، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن الجاهزية قائمة للتعامل مع أي طارئ، كما جرى خلال الفترات السابقة.

ويضيف أن خطط الطوارئ تبقى حاضرة، مستندة إلى تجارب سابقة خلال الحرب، حيث استمر العمل في المطار رغم الظروف، مدعوما بتطمينات دولية وخاصة عبر السفارة الأمريكية سمحت بالحفاظ على الحد الأدنى من التشغيل.

ويختم بدعوة اللبنانيين إلى العودة، مؤكدا أن لبنان يبقى وطنهم، وأن أبوابه مفتوحة أمام جميع أبنائه، ولا سيما أولئك الذين اضطروا إلى مغادرته خلال فترات التوتر.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة