محمد الزعانين ـ الجزيرة نت
أثارت لقطة مصورة لجندي إسرائيلي وهو يهشم رأس تمثال "السيد المسيح" بمطرقة -بعد إسقاطه من موقعه في إحدى قرى جنوب لبنان– موجة عارمة من الغضب على منصات التواصل الاجتماعي.
ونشر الناشط يونس الطيراوي هذه الصورة بعد رصدها عبر حسابات لجنود إسرائيليين يشاركون في العمليات البرية داخل الأراضي اللبنانية خلال الأيام الأخيرة. وقد حظيت الصورة بانتشار واسع، وتجاوزت 4 ملايين مشاهدة في ساعات قصيرة عبر حساب مصدرها، إلى جانب حصدها عشرات الآلاف من التعليقات، في إشارة تعكس حجم الغضب والاستهجان إزاء انتهاكات الجيش الإسرائيلي.
اعتراف إسرائيلي
وأقر الجيش الإسرائيلي بتحطيم أحد جنوده تمثال "السيد المسيح" في جنوب لبنان، وأوضح -في بيان- أنه بعد استكمال الفحص الأولي في موضوع الصورة المتداولة لجندي يمس برمز مسيحي "تبيّن أن الحديث يدور عن توثيق حقيقي لجندي في الجيش الإسرائيلي عمل في منطقة الجنوب اللبناني".
وأضاف أن الجيش "ينظر ببالغ الخطورة إلى هذا الحادث"، ويؤكد أن سلوك الجندي "يخرج بشكل تام عن القيم المتوقعة من جنوده"، بحسب وصفه.
وقال الجيش -في بيانه- إن "الحادث يخضع حاليا لتحقيق في القيادة الشمالية، ويتم التعامل معه على المستويين القيادي والانضباطي، وستُتخذ الإجراءات بحق المتورطين وفقًا لنتائج التحقيق".
وأكد الجيش أنه "سيعمل على مساعدة سكان القرية في إعادة التمثال إلى مكانه".
وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي قد شكك في الواقعة، وجاء في تغريدته "الجيش الإسرائيلي يفحص في الوقت الحالي مدى موثوقية الصورة. إذا كانت هذه الصورة حقيقية وحديثة بالفعل، فإن هذه الأفعال لا تتوافق مع قيم الجيش الإسرائيلي والسلوك المتوقع من جنوده".
وأضاف المتحدث العسكري الإسرائيلي "سيُحقَّق في الحادث بصورة شاملة ومتعمقة، وإذا لزم الأمر فستُتخذ خطوات وفق النتائج".
ماذا يكشف التحقق؟
وبعد إجراء عملية تحقُّق دقيقة للصورة المتداولة، تبيَّن أنها صحيحة ونُشرت اليوم للمرة الأولى. وبتعميق عملية البحث، رُصدت صفحات وحسابات لبنانية كانت قد نشرت صور التمثال ذاته في أبريل/نيسان 2021، مع الإشارة إلى أنه نُصب في منزل يعود إلى حسام النداف.
ولمزيد من التوثيق، تواصلنا مع اثنين من السكان المحليين في قرية دبل المسيحية بجنوب لبنان، وأكدا -للجزيرة نت- أن التمثال موجود بالفعل على أطراف القرية ضمن باحة منزل لعائلة مسيحية، وأوضحا أن الموقع تعرّض لاعتداء إسرائيلي مع وجود آليات الاحتلال وجنوده على أطراف البلدة.
وقد تمكنا من تحديد إحداثيات المنزل الذي نُصب فيه التمثال، لكن غياب التحديثات عن صور الأقمار الصناعية -بسبب قيود تفرضها الشركات الأمريكية- حال دون تعزيز عملية التحقق بأدلة بصرية إضافية، توثق نشاط آليات الجيش الإسرائيلي في الموقع.
تفاعلات عالمية غاضبة
وأثارت صورة الجندي الإسرائيلي -وهو يهشم التمثال- موجة من الغضب وردود الفعل المستنكرة للممارسات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية. وفي هذا السياق، علّق الكاتب رايان غريم بقوله إن الجنود الإسرائيليين واصلوا نشر صور توثق جرائم حربهم وتدنيسهم الثقافي طوال عامين ونصف عام دون أي انقطاع.
وسخر الكاتب نيكو بيرو من التبريرات المتوقعة للجيش الإسرائيلي، وقال إنهم سيحاولون تبرير فعلتهم بادعاء وجود قاعدة لحزب الله أو أنفاق لحماس تحت التمثال، أو بالقول إن الصورة مزيفة، أو باتهام المنتقدين بمعاداة السامية.
في حين شدد الأكاديمي يونس إيمري إردولين على ضرورة أن يرى العالم بأسره صورة الجندي وهو يحطم رأس تمثال "السيد المسيح" في قرية لبنانية احتلها.
وسخر الكاتب بيتر أوبورن من التناقض بين هذه المشاهد ومزاعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المستمرة بأن إسرائيل هي حامية المسيحية في الشرق الأوسط. وفي السياق ذاته، تهكم الكاتب إيزيكيل كوبيل بتصريحه بأن الجنود الإسرائيليين يبذلون كل ما في وسعهم حتى لا تشجع أفعالهم على معاداة السامية.
وعلى الصعيد العربي، ربط الناشط تامر قديح بين هذه الصورة والدعاية الإسرائيلية، ولفت إلى أن إسرائيل ادعت عبر الإعلام السماح بإدخال مساعدات لقرية دبل المحاصرة عبر منظمة "محفظة السامري"، ووعدت الأهالي بالحماية بشرط عدم إيواء أي من الشيعة.
وأضاف قديح أن إسرائيل تسعى للظهور بمظهر حامي المسيحيين أمام الغرب، غير أن الواقع مختلف بصورة تامة، وسرعان ما تنكشف الحقائق.
وفي سياق التفاعلات، سجلت الكاتبة ريم الحرمي موقفها عبر التساؤل: "هل تذكرون الغضب الدولي وحملات التنديد عام 2001 حين دمرت حركة طالبان تماثيل بوذا في مدينة باميان؟".
وأضافت أن إسرائيل تمثل الجهة الوحيدة التي تستطيع ارتكاب أبشع الجرائم بحق الإنسانية والمواقع والرموز الدينية ثم تفلت من العقاب، لعدم وجود أي طرف يجرؤ على وضع حد لحالة الإفلات الإسرائيلي المستمر من المحاسبة.
ما نعرفه عن قرية دبل
تقع قرية دبل في قضاء بنت جبيل ضمن محافظة النبطية، وهي من قرى "الحافة الأمامية" الملاصقة للحدود مع فلسطين المحتلة، كما تذكر مواقع محلية لبنانية.
وتمتاز بطبيعة جبلية وتلال تشرف على مساحات واسعة من الجليل الأعلى، وتُعد دبل قرية مسيحية يتبع أغلب سكانها الكنيسة المارونية، وتجسد حالة من العيش المشترك في منطقة يغلب عليها التنوع الطائفي، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع محيطها من القرى المجاورة.
وعلى الصعيد الميداني، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي فجّرت عددا من المنازل في بلدة دبل الحدودية خلال الأيام الأخيرة.
وشهدت القرية أعمال قصف ونسف وتجريف واسعة النطاق خلال العمليات الإسرائيلية الحالية على مدار الأيام الماضية، مما أسفر عن قتلى ومصابين، وفق التقارير اللبنانية.
ولم تسلم المقدسات الإسلامية والمسيحية في جنوب لبنان من بطش الجنود الإسرائيليين واعتداءاتهم، فقد وثقت عدسات الكاميرات مشاهد تدمير واستهداف مساجد في قرى جنوب لبنان، وهو ما أعاد إلى الأذهان مشاهد تدمير معظم مساجد قطاع غزة، إلى جانب استهداف الكنائس وقتل النازحين خلال الحرب الأخيرة.
(المصدر: الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي)