خبر عاجل
بوابة صيدا - لا يوجد صورة
المجتمع
إعلانات

كثيرة هي الخطابات القرآنية التي يجب أن تنال منا التدبر والتفكر، وهذا القرآن فيه الكثير والكثير من العبر والعظات والتي من تدبرها استخرج حلاوتها، وقد خصص الله في كتابه حديثًا خاصة عن العلاقة بين الأب وابنه، وقد ذكرنا في المقالات السابقة أمثلة لذلك، وفي هذا المقال نتناول آيات عظيمة تتحدث عن العلاقة التربوية بين الأب وابنه، فهذه الآيات العظيمة ترسم لنا صورة عظيمة تدل على عظم العلاقة الوثيقة بين الأب وولده، فهيا لنحيا في ظل ما حكاه لنا الله تعالى على لسان إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام:

" وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ " [الصافات: 99-105].

البلاء العظيم

فإبراهيم عليه السلام لما رزقه بهذا الولد الصالح الحليم، اختبره الله تعالى اختبار عظيم، فابنه الوحيد الذي هو فلذة كبده، تأتيه رؤية من الله أنه يذبح قرة عينه، ونحن حينما نتكلم هنا، نتكلم عن خليل الرحمن الذي إن سمع أي أمر من الله سارع بتنفيذه، ولكنه أحب أولًا أن يعرض الأمر على ولده، ( والأمر شاق ما في ذلك شك فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة، ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرًا تنتهي به حياته، إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده، يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه، وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه، وينتهي.

إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر، فالأمر في حسه هكذا، ربه يريد، فليكن ما يريد، على العين والرأس، وابنه ينبغي أن يعرف، وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلامًا، لا قهرًا واضطرارًا، لينال هو الآخر أجر الطاعة ، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم

إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى.

فماذا يكون من أمر الغلام، الذي يعرض عليه الذبح، تصديقًا لرؤيا رآها أبوه؟

إنه يرتقي إلى الأفق الذي ارتقى إليه من قبل أبوه، قال: " يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين ".

إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب، ولكن في رضى كذلك وفي يقين.

" يا أبت " في مودة وقربى، فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده، بل لا يفقده أدبه ومودته.

" افعل ما تؤمر " فهو يحس ما أحسه من قبل قلب أبيه، يحس أن الرؤيا إشارة، وأن الإشارة أمر، وأنها تكفي لكي يلبي وينفذ بغير لجلجة ولا تمحل ولا ارتياب.

ثم هو الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال؛ والاستعانة بربه على ضعفه ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية، ومساعدته على الطاعة: " ستجدني إن شاء الله من الصابرين ".

ولم يأخذها بطولة، ولم يأخذها شجاعة، ولم يأخذها اندفاعًا إلى الخطر دون مبالاة، ولم يظهر لشخصه ظلًا ولا حجمًا ولا وزنًا، إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصبره على ما يراد به: " ستجدني إن شاء الله من الصابرين ".

يا للأدب مع الله! ويالروعة الإيمان، ويالنبل الطاعة، ويالعظمة التسليم!

إنه لا يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (188-189)].

على خطى إبراهيم الخليل

إننا أيها القارئ الحبيب إذا نظرنا إلى حال آبائنا اليوم ولغة حوراهم مع أبنائهم، سنجدها في حالة مزرية، فتجد الآباء على ثلاثة أصناف:

ـ صنف يعتقدون أن الأبناء لا ينبغي لهم أن يتكلموا في الأصل معهم، ولا أن يبدوا رأيهم في شيء، ولا أن يناقشوا أمرًا ما.

ـ وصنف ثانٍ ليس عنده وقت ليتكلم مع أبنائه فقد شغله عمله ومصالحه عن الجلوس مع أولاده ليتحدث معهم ويعلمهم.

ـ وصنف ثالث وهم قليلون، من يجلسون ويتحدثون مع أبنائهم ويأخذون رأيهم، ويقبلون نقاشاتهم.

فهؤلاء هم أصناف ثلاثة، فأي صنف أنت أيها الوالد الحبيب وأيتها الأم الغالية؟ هل أنت ممن يقبلون آراء أبنائهم، عندما يأتي إليك ولدك ليبدي رأيه في شيء، ما يكون ردك؟

  1. تحاور معهم على أساس الإقناع: من أهم الأمور التي تساعدك على تقوية علاقتك مع ولدك، هو أن تتحاور معه على أساس الإقناع وليس فرض الأشياء، (فلابد من اللجوء إلى الحوار ومحاولة الإقناع، وإقامة الحجة بالدليل، لأن الفتى وكذلك الفتاة لديه ما يؤهله لأن يعقل الحديث ويتفهم الأمور، ويدرك الصواب والخطأ ودلائل كل منهما وليس المطلوب في الحوار والإقناع أن يسلم الفتى بكل ما يقوله المربي، فالأمور الاجتهادية في الآراء والأفكار والتصورات تطرح ويبين وجهة النظر فيها من غير فرض أو إكراه، ولا ينبغي الإلزام إلا في الأمور المقطوع بها) [نحو تربية إسلامية راشدة، محمد بن شاكر الشريف، ص(144)].

ولذلك اعلم جيدًا أيها الوالد أن الطفل الذي يتربى على المحاورة والإقناع، عندما يشب ويكبر تكون حياته مليئة بالأهداف لأنه تربى أن يقتنع بالأشياء التي ستفيده في حياته ومعاشه.

  1. النقد الحكيم: إن من الأمور أيضًا التي تبني جسر التواصل بينك وبين ولدك، أنك عندما تراه على خطأ تتصرف بحكمة من أجل أن تصحح هذا الخطأ، فعليك أن (تبين رأيك بوضوح في أبنائك، فإنهم يحبون الاستماع إلى تقويمك لهم، ومدى رضاك عنهم وعن إنجازاتهم في الدراسة والأعمال المنزلية، وأسلوبهم في الكلام والمظهر والهندام، وهذه فرصة جيدة للإطراء والمدح والافتخار إذا أحسن الأبناء، فيكون الأمر صريحًا معلنًا بصورة تتناسب مع حجم العمل المنجز.

وفي حال عدم الإعجاب بما قدموه اليوم، فلا بأس من أن تعطي رأيك بصراحة، ولكن بأسلوب هيِّن ليِّن .. لا يحطم محاولات الأبناء ويقدم لهم البدائل؛ كي يشعر الأبناء بمدى قربك منهم، ودرايتك بهم، ومتابعتك لأعمالهم، فيزيدهم هذا الأسلوب حماسًا وجهدًا وإنتاجًا.

مع ملاحظة أنه لكي يكون النقد بنَّاءًا؛ يجب أن يكون بعيدًا عن الفضيحة والتشهير إن كان يتعلق بأمر سلبي، وأما إذا كان من قبيل الإطراء وذكر محاسن الأبناء، فيكون معلنًا) [كيف تكونا أبوين محبوبين، د.محمد فهد الثويني، ص(13)].

  1. ألقي بذور الثقة: أيضًا أيها الوالد الحبيب من الأمور التي تساعدك على أن تكون على درب خليل الرحمن أن تزرع بذور الثقة بطفلك، فعندما يشعر ابنك أنك تثق به سيدفعه ذلك إلى مناقشتك في كل أموره حتى الشخصية، ولن يبحث خارج المنزل عمن يستشيره في أموره، (فعليك أن توضح لطفلك أنه شخص هام بأن تعامله معاملة حسنة، وخير مثال يوضح ذلك هو مثال " اللبن المسكوب " لتفترض أنك قد دعوت صديقًا لك إلى العشاء، وأنه قد قام أثناء تناوله هذا العشاء بسكب كوب من اللبن، فكيف يكون رد فعلك؟ حينئذ تقول: " إن هذه الحوادث تحدث دائمًا، لا عليك فذلك شيء عادي، انتظر دعني أجففه، دعني أنظف مكانه".

وكيف يكون رد فعلك إذا ما سكب طفلك كوبًا من اللبن؟ إنك ستقول: " لا للمرة الثانية! لقد أمرتك أن تكون أكثر حرصًا يا لك من طفل أخرق، لقد أفسدت غطاء المائدة".

إن عليك أن تتقبل أطفالك وأن تحبهم بالحال التي هم عليها، ولا يعني ذلك أن عليك أن تشجع زلاتهم، بل أحب طفلك بغض النظر عن زلاته, وقل له: " إنني أحبك، بيد أني لا يروقني ما فعلته" فذلك يتيح له الفرصة ليعلم أنك تحبه، ولكنك لا يعجبك خطؤه) [كيف تكون قدوة حسنة لأبنائك، سال سيفير، ص(100-101)].

وماذا بعد؟

أيها الوالد الكريم إن الوصول إلى قلوب الأبناء، طريق سهل، في أوله، فحينما يتربى الطفل على الحوار والثقة وإبداء الرأي يكون بذلك قد وصلت إلى قلبه، وحينما يكبر سترى بنفسك ما زرعته في الصغر، أما إذا كان أبناؤك قد كبروا وهم الآن شباب وفتيات، فبإمكانك أيضًا أن تغرس ثقتك بهم من خلال الأمور التي ذكرناها، فعلى قدر ما تبذل ستجد النتائج.

 

المصادر:

  • كيف تكون قدوة حسنة لأبنائك، سال سيفير.
  • كيف تكونا أبوين محبوبين، د.محمد فهد الثويني.
  • نحو تربية إسلامية راشدة، محمد بن شاكر الشريف.
  • في ظلال القرآن، سيد قطب

للراغبين في الإعلان في موقع بوابة صيدا يرجى التواصل على الرقم 03928409


author

موقع بوابة صيدا

بوابة صيدا

بوابة صيدا.. موقع يهتم بالشؤون السياسية والاجتماعية والدينية والتربوية والثقافية في مدينة صيدا ولبنان.. والعالم

مقالات ذات صلة