بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - عذراء تلد.. و رضيع يتكلم

عبد الباسط ترجمان / موقع بوابة صيدا

تزوج عمران حَنة، وعاش معها فترة طويلة، وكانت حَنة عقيماً لا تلد، فدعت الله أن يرزقها الولد، فاستجاب الله لها، فقالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ.

وفي أثناء حملها توفي زوجها عِمران، فنزلت في كنف نبي الله زكريا عليه السلام.

وضعت حنة حملها، فكانت أنثى، وكانت تظن أنها حامل بذكر، فلما وضعتها قالت: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى.... وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى، أي أن الأنثى ضعيفة، لا تستطيع العمل كالذكر، وأن اليهود لن يقبلوا بدخولها إلى بيت الرب كونها أنثى.

ولكن حنة قبلت بما رزقها الله تعالى فقالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً...

خرجت أم مريم بمريم إلى كهان بيت الرب، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فإني وهبتها لله، وهي أنثى ولا يدخل بيت الرب حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وصاحب قرباننا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة.

فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي.

فقالوا: لا تطيب أنفسنا هي ابنة إمامنا.

فاقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة فقرعهم زكريا فكفلها، وكان زكريا عليه السلام كبير اليهود وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم.

كفل زكريا مريم عليها السلام، وكان نبي الله زكريا زوج خالتها، وكانت زوجته عقيماً لا يولد لها.

وكان نبي الله زكريا كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقاً كثيراً، فكان يجد ثمر الصيف في الشتاء، وثمر الشتاء في الصيف، فيقول لها: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا؟

فتقول له: هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. 

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء، فرزقه الله يحيى عليه السلام.

ونادت الملائكة مريم عليها السلام قائلة: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ* يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ. 

بلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء، وجاءها الابتلاء من الله، فجاءها المَلَك على هيئة رجل.

قالت مريم عندما رأته: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً.   

قال لها المَلَك: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً.  

تعجبت مريم عليها السلام، فقالت له: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً. 

فقال لها الملك: كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً.   

سلمت مريم أمرها لله وآمنت بقضاء الله وقدره، وأيقنت أنها لن تسلم من كلام الناس، وأنها ستُتهم في عرضها وشرفها، ولكن الابتلاء سنة الله في خلقه.

وكان أول من فطن لحملها ابن خالها يوسف النجار، وكان عابداً تقياً ورعاً، فجعل يتعجب من ذلك عجباً شديداً، وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها، وهو مع ذلك يراها حبلى، وليس لها زوج، فعرَّض لها ذات يوم في الكلام، فقال: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟

قالت: نعم، فمن خلق الزرع الأول.

قال: فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر؟

قالت: نعم، فمن خلق الشجر الأول.

قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟

قالت: نعم، إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى.

ودخلت يوماً على خالتها زوجة نبي الله زكريا فقالت لها خالتها: أشعرت أني حبلى.

فقالت مريم: وشعرت أيضاً أني حبلى.

فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى: إني أرى ما في بطني يخضع ويسجد لما في بطنك، وذلك لفضل عيسى على يحيى عليهما السلام.

خرجت مريم من قريتها، هائجة في بلاد الله الواسعة، وهي تحدث نفسها، كيف سيتقبل قومها مولودها، وهل سيصدقونها إذا قالت لهم أنها لم ترتكب الفاحشة، وبينما هي كذلك: فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً.

لم تقلها اعتراضاً، كلا وحاشاها، فهي العابدة الخاشعة لله، ولكن قالتها لما تعلم من نفسية بني قومها اليهود.

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً.

ماذا أفعل

هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً.         

وأما العار الذي تخافين منه يا مريم: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً.  

وضعت الصديقة الطاهرة البتول مولودها، إنه ذكر، خرج من رحم أمه لا يبكي، كما خرجت أمه من رحم جدته لا تبكي.

ما اسم هذا الغلام: الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ      

قررت مريم عليها السلام العودة إلى قريتها، فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، ووقع ما كانت تحذر منه: قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً.

ماذا تفعل: فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ. 

فقالوا لها: أتسخرين منا يا ابنة عمران، كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً.

وهنا وقعت معجزة الله الخالدة، لقد برأ الله عز وجل هذه الفتاة الطاهرة المطهرة المصطفاة، من التهمة التي بدأ اليهود يلصقونها بها، لقد نطق الغلام الذي لم يبلغ من العمر إلا ساعات قائلاً: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً. 

انبهر الجميع، وحتى مريم عليها السلام، لم تتوقع أن يحفظ الله لها شرفها، بنطق الطفل الصغير، وكان أول كلمة قالها المسيح عليه السلام، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ..

ولكن اليهود هم اليهود، فبدل أن ينتهوا عن اتهام الطاهرة البتول ويؤمنوا بالمسيح المعجزة، كفروا به، وطاردوه، وآذوه، واستمروا في اتهام أمه في عرضها وشرفها، حتى وصل بهم الحال إلى التخطيط لقتله عليه السلام، فنجاه الله منهم، ورفعه إليه.

وسيعود قبل قيام الساعة، ليكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ويتزوج ويموت، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى أمه البتول وعلى نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.




من أرشيف الموقع

معبد أشمون

معبد أشمون