بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - موجز مختصر عن تواجد اليهود في صيدا و لبنان..

إعداد الدكتور طالب محمود قره أحمد / مؤلف كتاب " الطائفة اليهودية في مدينة صيدا تاريخها وحضورها "

كانت القرون الوسطى شديدة الوطأة على يهود أوروبا بأجمعها، إذا استثنينا إسبانيا الإسلامية، ذاقوا فيها من ضروب التعسف والإضطهاد والتقتيل والتشريد ما يعجز عن تبيانه القلم .

أما يهود الشرق، فكانوا أسعد حظاً وأكثر استقراراً واطمئناناً على أرواحهم وموطنهم وأموالهم من اخوانهم في الغرب. فقد ترك لهم خلفاء المسلمين وسلاطينهم حرية الإيمان والمعتقد وأمَّنوهم على أرواحهم وما ملكت أيمانهم بدافع الشرع القويم والعُرف والتسامح .

وإذا كان يهود الشرق عانوا أحياناً بعض الشدة في عهود الإنحطاط من بعض الأمراء المتغلبين، فإن تلك الأوضاع الشاذة ما كانت تدوم إلا أمداً قصيراً. إذ لم تكن هناك خطة اضطهاد مرسومة وسياسة عداء مقررة. ولم تبلغ الحال، في أشد أيامها، مبلغ الطرد الجماعي أو التقتيل بالجملة، مثلما كان يحدث في أوروبا. لذلك كان يهود الشرق يعيشون في استقرار ودعة واطمئنان، فلم يكن ثمة ما يبرر مبارحتهم ديارهم إلى بلاد الغرب وهي يومئذ على ما وصفنا.

إن التواجد اليهودي في لبنان،كان منذ الزمن البابلي، عندما كانت مدينتا صيدا وصور من أشهر المدن في نطاق التجارة.

وإن وفادة اليهود إلى لبنان كانت في الألف الأول قبل الميلاد، زمن حكم سليمان (970-930ق.م) حيث كان شجر الأرز اللبناني من الأهمية بمكان لبناء معبد القدس وذلك عبر العلاقات التجارية مع حيرام ملك صور.

ولحبه وشغفه للملك سليمان فقد بنى صرحاً للملكة سبأ في بعلبك. وشهادة أُخرى على وجود الطائفة اليهودية كانت زمن الحشمونيين وذلك من خلال نصوص في كتاب "المشنا" و"التلمود". دلَّت على مستعمرات في لبنان وتحديداً في جبل حرمون. ومن حكم أريستوبولوس (104-105 ق.م) وبعض المساحات حول جبل لبنان احتلت قسراً وهُودت.

وفي حوليات الطائفة اليهودية، فإن يهود حاصبيا من هذه الفئآت التي كانت على صلة قوية بأسلاف اليهود.

وخلال العصر الروماني فإن بيت هيرود المتواجد في جزء من لبنان. شهد ازدياداً للمواطنين اليهود في تلك المنطقة وهو مسجل بعد ثورة "باركوتشفا" في عام 132ق.م. فإن اليهود الذين هاجروا إلى لبنان كانوا بمجملهم مزارعين من يهودا والجليل. قد وجدوا أماناً في القرى على جبل حرمون. ولم يعتبروا أنفسهم كمبعدين حسب المراسيم الزراعية ضمن الوصايا العشرة. كهؤلاء المرتبطين إلى السنة السبتية والمنتشرون جغرافياً حتى جنوب صيدا.

في العام 502م، تنامى إلى الأسماع بأن كنيساً في بيروت قد تدمر بفعل هزة أرضية زمن حكم الخليفة عمر بن الخطاب (634 - 644م) حيث أصبح لبنان جزءاً من الإمبراطورية العربية والتي شملت العديد من المواطنين المسيحيين واليهود الذين خضعوا لسياسة إسلامية صارمة في الجزيرة العربية، تحولت فيما بعد لتندرج تحت بند التسامح وذلك لمنعهم من المغادرة أو الرحيل.

والتسامح لا يعني غياب التقييد. فقد سُمح لليهود بالعيش تحت حكم الإسلام ولكن بشرط دفع الجزية. فعلى الموسر اليهودي دفع نصف بالمئة والربع على الفقراء من الطائفة اليهودية. ولكن هذه القيود إن وُجدت فلم تكن مطبقة على الطائفة اليهودية في لبنان. وعلاوة على ذلك فإن تلك القيود إن وُجدت لم تمنع يهود لبنان من تولي بعض الوظائف في السلطة المحلية. كممارسة الطب مثلاً وأعمال التجارة، أو كمستشارين في بعض المحاكم المحلية.

وقد أشار البلاذري بأن الخليفة معاوية (661 - 680م) أُسكن اليهود في طرابلس. والبعض في بعلبك. وأن الرابي سعدية جاعون الذي عاش هناك أفاد بأنه كان عنده تلاميذ من "بعل جاد" الإسم البابلي لمدينة بعلبك. وأن الأكاديمية أو المدرسة الفلسطينية كانت قد اتخذت لها مقراً في صور في العام 1071م. وأن اسحق بن زيفي خلال إحدى رحلاته ألمح إلى أن الطائفة اليهودية القليلة العدد المتواجدة في صور تعود إلى العام 1170 ميلادية، وهي عبارة عن عائلات اندمجت في محيطها مع المجتمع المحلي ولقبوا بالمستعربين. أي الذين قلَّدوا الأساليب العربية.

فقد عملوا في صناعة الزجاج والتجارة المحلية والخارجية. لذا فإن الطائفة اليهودية لم تكن معزولة في لبنان، لا بل إن العديد من إفرادها بدؤوا التزاوج مع اليهود المصريين والسوريين والفلسطينيين في القرن الثاني عشر الميلادي.

وقد أشار بنيامين التطيلي، وهو رحالة من القرن الثاني عشر الميلادي، إلى أن الطائفة اليهودية قد تعايشت مع الطائفة الدرزية وذلك من خلال التجارة. والتكامل الإجتماعي حتى اندمجوا بالمجتمع الدرزي وبدؤوا يقلدونه في الكثير من عاداته وتقاليده.

وفي عام 1173م أشار بنيامين على وجود 50 يهودياً في بيروت، بينما بعض المعلومات تُشير إلى أن الكنيس والمقبرة أُوجدا عام 1300م.

والرحالة الرابي "موشيه" والذي زار صيدا منذ أكثر من 450 عاماً أفاد بوجود عشرون عائلة في المدينة تعيش جنباً إلى جنب مع السكان المحليين لا بل إنها تقلدهم في الكثير من عاداتهم.

وفي القرن الرابع عشر الميلادي فإن معلومات تعود إلى اليهود في حاصبيا وذلك من ضمن وثيقة تتحدث عنهم وكأنهم "أفراد من قبيلة ليفي الحاصبانيين الغير منحدرين من هارون والذي أختير لمساعدة رهبان المعبد كما ذكر "الإنجيل".

أما في كتاب "الرد" للرابي "يوم توف ساهالون"، أحد حكماء مدينة صفد زمن جوزيف بن لأفراييم كارو (1488 - 1575م) تحدث بوضوح عن أن الطائفة اليهودية في جنوب لبنان كانت تنظر بعين واضحة نحو صفد وذلك لإرشادها الروحي.

وفي كتاب "الرد" سُئل الرابي "ساحالون" من يهود حاصبيا عن قانون المقيم الذي بذر حقله خلال السنة السبتية؟. فكان رده بأن أعطى الحكمة والنباهة للطائفة اليهودية في حاصبيا في ذلك الوقت: هناك رابي خدم الطائفة عُرف باسم الرابي دايفيد. والتي كانت بقيادة الشيخ يوسف مينيشا. يوم كانت حاصبيا محكومة من قبل الأمير علي، من الطائفة الدرزية. ولكن وبشكل واضح أن الطائفة وُرِّثت لحكماء صفد كانت تابعة حكماً لمدينة حاصبيا.

" اجتماع مقدس هو الحافظ للحقيقة الباقية تحمي كل شيئ مقدس في حاصبيا. لاحظ بأننا سمعنا بأن أحد الرجال الذين يعيشون هنالك قد أقدم على خطأ ألا وهو أنه قد بذر بذوراً في أرضه في السنة السبتية والتي تمنع ذلك، ظناً منه أن مدينة حاصبيا ليست جزءاً من أرض "اسرائيل" وعلى هذا الأساس فإنه يحق له ذلك أي بذر الأرض. هذا بالإضافة إلى أنه سُمع من أحد رجال الدين اليهود من أن المنع هو من الأردن وسوريا فقط وليس هذا بصحيح. من هنا وبحسب الديانة اليهودية فإنه قد خرق القوانين الدينية وعليه أن يُحاسب في أن يقلع ما بذره في الأرض حتى ولو أنه لم يكن يعلم ذلك. ويعطي حصاده إلى الفقراء في مدينة حاصبيا وذلك حسب تعاليم وارشادات الرابي ديفيد ناشر التوراة ومعلمها المكلف بمتابعة كل الأمور الدينية التي تخص الطائفة اليهودية. وفي حال رفضه ذلك أي الفلاح على المعنيين بالأمر إبلاغ ونصح الشيخ يوسف مينيشا بأن عليه الذهاب للأمير علي ليبلغه بأن سادات إسرائيل يرسلون إليك ملاحظات ويبلغونك كذا وكذا وبأن الرجل قد دنَّس القوانين والأنظمة اليهودية الخاصة بالسنة السبتية وحسب معتقداتنا. وإذا لم يمتثل لذلك عليك معاقبته من دون تأخير ".

مثل هذه القضية توضح مظاهر حياة اليهود في لبنان ما قبل السيطرة العثمانية عليه. وذلك بالرغم من شح المعلومات الكافية لشرح وتوضيح ذلك. ألا أنها لا تنفي على الإطلاق الإنتشار اليهودي في لبنان في المدن التالية: طرابلس وبيروت بوجود حوالي 1535 يهودي فيهما وما بين 1570 و 1590 يهودي في صيدا وصور، وفي المناطق الدرزية في الشوف وحاصبيا.




من أرشيف الموقع

مقام الشيخ قاسم

مقام الشيخ قاسم