بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - من قتل الحسين وموقف أهل السنة من مقتله

 كتبه عبد الباسط ترجمان/ خاص موقع بوابة صيدا

الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على خير الخلق أجمعين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، وعلى من سار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد: 

العاشر من محرم، يوم عاشوراء، يوم فرح ومأساة، فرح بنجاة نبي الله موسى عليه السلام وهلاك فرعون، ومأساة بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.

لقد أُخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمقتل الحسين رضي الله عنه وأنه سيُقتل بسيوف أمته.

عن أم الفضل رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا - يعني الحسين - وأتاني بتربة من تربة حمراء. ‌ [ صحيح الجامع الصغير 61] 

وقال صلى الله عليه وسلم: لقد دخل علي البيت مَلَكٌ لم يدخل عليَّ قبلها، فقال لي إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها. قال: فأخرج تربة حمراء. [ السلسلة الصحيحة 2/ 465]

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه وأخيه محبة عظيمة، وكان الحسن رضي الله عنه أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر والرأس، والحسين رضي الله عنه أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم من سرته حتى قدمه، فرضي الله عن الحسن والحسين وعن أبيهما وأمهما وعن جميع آل البيت.

عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع المسلمون واتفقوا على مبايعة أبي بكر بالخلافة، ثم بعد وفاته بايعوا عمر بن الخطاب، وبعد مقتله على يد العلج أبو لؤلؤة المجوسي، بايعوا عثمان بن عفان، فلما قتل على يد عصابات قام بتأليبها ابن السوداء عبد الله بن سبأ اليهودي، بايع المسلمون علي بن أبي طالب، وطالب علي أهل الشام بالبيعة، وكان أمير الشام معاوية بن أبي سفيان، فطالبه معاوية بالقصاص من قتلة عثمان، وعثمان من أبناء عمومته، فرفض علي ذلك خوفاً من الفتنة أن تقع بين المسلمين لكثرة الخارجين، وكان تعداد من خرج مع ابن السوداء بالآلاف، ومع إصرار معاوية على موقفه، وعلي على موقفه، كان لابد لعلي أن يُخضع معاوية لإمارته، فوقعت الحرب بين الطرفين، وكانت الغلبة شبه مؤكدة لعلي رضي الله عنه، فرُفِعت المصاحف لوقف الحرب والتحاكم إلى كتاب الله بين المتنازعين، وعند ذلك خرجت أول فرقة في الإسلام، ألا وهي فرقة الخوارج، فكفّرت كلا الطرفين، ودبرت لقتل علي ومعاوية فنجحت في قتل الأول وفشلت في قتل الثاني.

بعد مقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد عبد الرحمن بن ملجم ـ عليه من الله ما يستحق ـ تولى الخلافة بعده ولده الحسن رضي الله عنه، فتنازل عن الخلافة لمعاوية، لدرء الفتنة بين المسلمين، وتصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. [ البخاري 2704] ‌

ومات الحسن رضي الله عنه مسموماً، وعند دنو أجل معاوية رضي الله عنه أوصى بالخلافة لابنه يزيد، و لما تولى يزيد بن معاوية الخلافة بعد أبيه كان أول ما يهمه ويقلقه هو أخذ البيعة من الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، لما كان لهما من وجاهة وحب لدى عامة المسلمين، وخاصة أن كلاهما قد بايع معاوية مكرهًا، فأمر يزيد والي المدينة وقتها ـ وكان الوليد بن عتبة ـ أن يأخذ منهما البيعة، ولكنهما استطاعا أن يتخلصا من البيعة بأعذار مختلفة قبلها الوالي ورفض السماع لقول من أشار بإجبارهما على البيعة أو القتل، وعندها توجها إلى مكة للإقامة بها.

ولما استقر الحسين رضي الله عنه بمكة أخذ الناس يترددون عليه ويعظمونه، وأرسل إليه أهل الكوفة يدعونه للحضور والبيعة له، وأكثروا عليه في الطلب حتى مال لهم وصدق كلامهم، وأرسل لهم ابن عمه 'مسلم بن عقيل' فسار مسلم حتى نزل الكوفة، واجتمع الناس عنده يبايعون للحسين رضي الله عنه حتى اجتمع عنده ثمانية عشر ألفًا، كلهم يبايع على القتال والنصرة، فأرسل بذلك كتاباً للحسين رضي الله عنه.

فوصل الخبر لوالي الكوفة ' النعمان بن بشير ' وكان حليمًا ناسكًا يحب العافية، فحاول أن يثني الناس باللين والهدوء فلم يفد ذلك شيئًا معهم، وعدوا ذلك ضعفًا منه، وازداد التكالب على بيعة الحسين، وعندها أمر يزيد بن معاوية بعزل النعمان بن بشير وتولية عبيد الله بن زياد مكانه لما كان فيه من شدة وقسوة، وكان عبيد الله والياً على البصرة، وكان ناصبياً، فجُمعت له الكوفة والبصرة، واشتد عبيد الله على الناس وضيق عليهم واستخدم معهم الترغيب والترهيب حتى يعرف مكان مسلم بن عقيل داعية الحسين رضي الله عنه، واستطاع بدهائه أن يخذِّل الناس عن مسلم حتى ضيق عليه أمره، واتجه مسلم بن عقيل في ثلاثة آلاف فارس يريد عبيد الله بن زياد فلما قرب من قصر عبيد الله نظر فإذا معه مقدار ثلاثمائة فارس فوقف يلتفت يمنة ويسرة فإذا أصحابه يتخلفون عنه حتى بقى معه عشرة أنفس فقال: يا سبحان الله غرنا هؤلاء بكتبهم ثم أسلمونا إلى أعدائنا، فولى راجعاً فلما بلغ طرف الزقاق التفت فلم ير خلفه أحداً وعبيد الله بن زياد في القصر متحصن يدبر في أمر مسلم بن عقيل، فمضى مسلم بن عقيل على وجهه وحده، فرأى امرأة على باب دارها فاستسقاها ماءً وسألها مبيتاً فأجابته إلى ما سأل وبات عندها، وكان ابن زياد قد عزم على من يعرف مكان مسلم بن عقيل أن يدل عليه، وكان للمرأة ولد فذهب وأعلم عبيد الله بن زياد أن مسلماً في دار والدته فأنفذ عبيد الله بن زياد ستين رجلاً، فجعل مسلم يحاربهم عن نفسه حتى كل ومل فآمنوه فأخذوه وأدخلوه على عبيد الله فأُصعد القصر وهو يقرأ ويسبح ويكبر ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غزونا وكذبونا ثم خذلونا حتى دُفعنا إلى ما دُفعنا إليه ثم أمر عبيد الله بضرب رقبة مسلم بن عقيل فضربت رقبته، وقتل شهيداً بإذن الله، ثم أرسل برأسه إلى يزيد بن معاوية.

وعندما وصل كتاب مسلم بن عقيل للحسين رضي الله عنه بأن أهل الكوفة قد بايعوه، وقد اجتمع عنده ثمانية عشر ألفًا، أجمع الحسين أمره على الخروج للكوفة مع أهله وخاصته، وحاول المخلصون منعه من الخروج للكوفة، منهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ حيث قال للحسين رضي الله عنه: ' خبرني رحمك الله! أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟! فإن كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنما دعوك إلى الحرب، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويستنفروا إليك، فيكونوا أشد الناس عليك' .

وقابله الفرزدق الشاعر، فقال له: ' قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية!'

وقال له عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث: ' الناس عبيد الدينار والدرهم؛ فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصره، ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه'.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما قدم المدينة فأُخبر أن الحسين بن علي رضي الله عنهما قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة، قال: أين تريد؟

قال: العراق، ومعه طوامير وكتب.

فقال: لا تأتهم.

فقال الحسين رضي الله عنه: هذه كتبهم وبيعتهم!

فقال ابن عمر رضي الله عنه: إن الله خير نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنكم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جعلها لأحد منكم أبداً وما صرفها عنكم إلى الذي هو خير منكم فارجعوا.

فأبى وقال: هذه كتبهم وبيعتهم.

فاعتنقه ابن عمر وقال: أستودعك الله من قتيل.

أصر الحسين رضي الله عنه على الذهاب للكوفة، فخرج ومعه أهله وخواصه، وفي الطريق وصل إليه خبر مقتل مسلم بن عقيل فترحم عليه، واستكمل المسير، حتى إذا كان على مشارف الكوفة وجد جيوش ابن زياد في انتظاره، وقد منعوا الماء عن الحسين ومن معه حتى يهلكوهم عطشًا، ودارت بين الطرفين حوارات طويلة، حيث أصر جيش ابن زياد على أن يأخذ الحسين رضي الله عنه ومن معه أسرى، والحسين يطلب منهم أن يخلوا سبيله إلى المدينة أو يذهب لأي مكان آخر، وقد همّ ابن زياد بالموافقة على ذلك لولا أن أشقى العرب شمر بن ذي الجوشن نهاه عن ذلك، وزين له الباطل، حتى أثناه عن الموافقة، وأصر ابن زيـاد على أسر الحسين رضي الله عنه ومن معه أو قتالهم.

وفي صباح يوم الجمعة العاشر من محرم سنة 61 هـ ـ يوم عاشوراء ـ تدور رحى حرب غير متكافئة بين الطرفين، وينضم بعض الغيورين من جيش ابن زياد للقتال مع الحسين رضي الله عنه، فالتقوا بمكان يقال له كربلاء، فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبة هنالك وجعلوها منهم بظهر وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث: إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء، وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده فيحكم فيه بما شاء فأبوا عليه واحدة منهن وقالوا: لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه، فأبى أن يقدم عليه أبداً وقاتلهم دون ذلك، وقُتِل معظم من كان مع الحسين، وبقى الحسين مثخناً بالجراحات، ولا يجرؤ أحد على قتله، حتى انبعث أشقاهم وهو سنان بن أنس النخعي؛ ـ عليه من الله ما يستحق ـ فحز رأس الحسين رضي الله عنه، وأخذ باقي أهل الحسين وولده علي الملقب بـ 'زين العابدين'، وكان مريضًا، وسيرهم إلى عبيد الله بن زياد فوضعوا رأس الحسين بين يديه فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه جالس فقال له: يا هذا ارفع قضيبك، طالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل هذه الثنايا ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام إلى يزيد بن معاوية، ويقال إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فبكى بكاءً شديدًا عندما رأى الرأس، وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية! لو أني صاحبه لعفوت عنه؛ فرحم الله الحسين .

ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة النبوية فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناثرة شعرها واضعة كفها على رأسها تبكي وهي تقول: ماذا تقولون إن قال النبي لكم ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي، منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم، ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي.

قُتل الحسين رضي الله عنه شهيداً وقتل معه سبعة عشر من أهل البيت في ذلك اليوم: قتل العباس بن علي بن أبي طالب، وجعفر بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن علي بن أبي طالب، وعمر بن علي بن أبي طالب، وعثمان بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، والقاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن عقيل بن أبي طالب، ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب، وغيرهم واستُصغِر علي بن الحسين زين العابدين فلم يُقتل. رضي الله عنهم جميعاً.

انتقام الله لأوليائه: قضى الله عز وجل أن يُقتل عبيد الله بن زياد في العاشر من محرم سنة 67 هـ ـ يوم عاشوراء ـ قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب وبعث برأسه إلى المختار وبعث به المختار إلى ابن الزبير فبعث به ابن الزبير إلى علي بن الحسين ( زين العابدين) رضي الله عنه.

وعن عمارة بن عمير قال: لما قُتل عبيد الله بن زياد أُتي برأسه ورؤوس أصحابه فأُلقيت في الرحبة، فقام الناس إليها، فبينا هم كذلك إذ جاءت حية عظيمة فتفرق الناس من فزعها فجاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد ثم خرجت من فيه ثم دخلت من فيه وخرجت من أنفه ففعلت ذلك به مرارا ثم ذهبت ثم عادت ففعلت به مثل ذلك مراراً فجعل الناس يقولون قد جاءت قد جاءت قد ذهبت قد ذهبت لا يُدرى من أين جاءت ولا أين ذهبت.

أما يزيد بن معاوية الذي لا نحبه ولا نسبه، فلم يمهله الله كثيراً حتى هلك في اثناء حربه لابن الزبير رضي الله عنه.

موقف أهل السنة من مقتل الحسين

موقف أهل السنة من مقتل الحسين رضي الله عنه لخصه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال رحمه الله: والحسين رضي الله عنه أكرمه الله تعالى بالشهادة فى هذا اليوم وأهان بذلك من قتله أو أعان على قتله أو رضي بقتله وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة وكانا قد تربيا فى عز الإسلام لم ينالا من الهجرة والجهاد والصبر على الاذى فى الله ما ناله أهل بيته فأكرمهما الله تعالى بالشهادة تكميلاً لكرامتهما ورفعاً لدرجاتهما وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الإسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى: " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون "

المصادر: سير أعلام النبلاء ـ تاريخ بغداد ـ الطبقات الكبرى الإصابة ـ الإستيعاب ـ الإرشاد ـ أعلام الورى.




من أرشيف الموقع

الحلاق حسني النقيب. الشاكرية

الحلاق حسني النقيب. الشاكرية