بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مولد النور من الصدور إلى السطور..

كتب الشيخ محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

 في حاضرة العلم والعلماء، بين ربوع الحديث وأصوله، على زغردة الطبيعة تحن إلى سماع الحديث وروايته، وعلى أصوات الفقهاء والمحدثين والمؤرخين، تنمو زهرة ذات أريج فواح، يجوب عطرها العابق القيافي والقفار... يشق سمع الغلام كلام شيخه الإمام الكبير شيخ المشرق وسيد الحفاظ أبي يعقوب إسحاق بن راهويه (ت٢٣٨ﻫـ): "لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

فيتحول الحلم حقيقة، وتستحيل الأمنية واقعا، يحيا على فضل سبقه وجودة اختياره ودقة انتقائه... كل من نبض فؤاده بقطرة دم جرت في عروق محملة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، تشربت الولاء والوفاء بحسن نية وإخلاص، لأعظم جيل تربى بين أحضان الرسالة، وتغذى على لبان النبوة. ورثوا عن سيدهم الرحمة، فسادوا بها وقادوا، وفتحوا قلوب العباد وتملكوا مفاتيح الأبواب، ودانت لهم البلاد.

في هذه الرياض النضرة والبساتين الزاهرة المونقة، يولد "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه"، على يدي إمام الدنيا وفقيه الأمة، المربي القدوة، وحجة الله البالغة، سيدي ومولاي أمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت٢٥٦ﻫـ).

عرف عن الإمام البخاري حدة الذكاء، وقوة الحافظة، والجلد على العلم، والجد في تحصيله، والمثابرة على مذاكرته.. كان رحمه الله يستيقظ من الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج، ليكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ السراج، ثم يقوم مرة أخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك تقريبا عشرين مرة!

هذه العوامل التي تهيأت للإمام، جعلته ينهض بالتصنيف والتأليف، وهو لا يزال في سن مبكرة، في الثامنة عشرة من عمره، فصنف للبشرية مصنفات حظيت باهتمام الدارسين والباحثين والنقاد الصادقين.

بيد أن الإرادة العلية والمشيئة الإلهية وجهت كتابه "الصحيح" ليكون أهم مؤلفاته، بل هو أشرف دواوين الإسلام قاطبة، وأولى ما صرفت في تحصيله الأعمار بعد كتاب الله تعالى. بذل فيه البخاري جهدا مضنيا وواجه عنتا شديدا لا يعرف قدره إلا من زاوله، حتى جاءت فيه حكاية السيرة النبوية محكمة النسج، برواية الحفاظ والمحدثين بالأسانيد المتينة الصحيحة، على طريقة الفقهاء.

لقد انتظمت الدوافع لهذا العمل الجبار في بواعث ثلاثة، جدير أن نقف لدى كل واحدة منها للتمعن في مقاصدها وأهدافها، وهي:

- أولا: تحقيق أمنية أستاذه:

يقول الإمام: "كنت عند إسحاق بن راهويه. فقال: لو جمعتم كتابا مختصرا في (الصحيح) لسنن النبي صلى الله عليه وسلم. فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب".

- ثانيا: الاستئناس برؤيا رآها:

يقول الإمام: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأني واقف بين يديه، وبيدي مروة أذب بها عنه! فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب.

فهو الذي حملني على إخراج (الجامع الصحيح)".

- ثالثا: الدفاع عن الإسلام والرد على المخالف:

المتمعن في كتب "الصحيح" وتراجم أبوابه يلحظ ارتباطها الوثيق ببدع ومخالفات علمية وشرعية طلت بقرنها في القرنين الثاني والثالث؛ كبدع الاعتقاد مثل: الإرجاء، والاعتزال، والتجهم، والنصب، والغلو. وكبدع سلوكية مثل: التصوف الغالي. وكبدع مذهبية فروعية مثل: التعصب لإمام ما بعينه، والإقبال على استعمال الرأي بنوعه المذموم، وتكلف القياس واطراح السنن الثابتة... مما أوجد الدافعية لدى الإمام للتصدي لها وتصويب المسار الصحيح.

هذا، ومن الجدير بالذكر أن ثمة عوامل عدة أسهمت في احتلال "الصحيح" سدة الأهمية المطلقة، كعامل المكان الذي جمعه فيه، بالإضافة إلى المدة التي قضاها في تصنيفه. فهذان مؤشرتن كفيلان لحث الهمم على طلبه والتفقه فيه. فكيف إذا ما وقفنا على كيفية تأليفه وجمعه وإخراجه للناس؟!

كتب البخاري تراجمه في المسجد النبوي الشريف، في الروضة الشريفة، بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وقد مكث في تصنيفه وترتيبه مدة ست عشرة سنة، فجاء مبوبا حسب الموضوعات، انتهى من كتابته وعمره ثمان وثلاثون سنة.

وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين، لأن الإمام أراده أن يكون حجة فيما بينه وبين الله. فكان له ما أراد بفضل الله تعالى، لما بذل في إعداده من العناية في التزام الصحيح. قال: "ما وضعت في كتاب "الصحيح" حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين"، يعني: أنه يستخير الله في ما يكتب. قال: "صنفت كتاب "الصحيح" في المسجد الحرام. وما أدخلت فيه حديثا إلا بعدما استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته".

واللافت أن الإمام البخاري لم يخرج كتابه إلا بعد أن أجازه بذلك أساطين العلم في عصره. قال الإمام الحافظ الناقد أبو معفر محمد بن عمرو العقيلي (ت٣٢٢ﻫـ): "لما ألف البخاري كتاب "الصحيح"؛ عرضه على أحمد بن حنبل (ت٢٤١ﻫـ)، ويحيى بن معين (ت٢٣٣ﻫـ)، وعلي بن المديني (ت٢٣٤ﻫـ)، وغيرهم. فاستحسونه وشهدوا له بالصحة، إلا في أربعة أحاديث! والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة".

وإذا علمنا أن "صحيح البخاري" هو أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد، أدركنا مزية أخرى لهذا الكتاب.

فهذه سبع ميزات ازدان بها "صحيح البخاري"، هي:

الأولى: أنه صنفه في أقدس بقاع الدنيا وأطهرها بعد مكة، في المدينة النبوية المنورة، في المسجد النبوي الشريف، في الروضة الشريفة.

الثانية: أنه أمضى في تصنيفه ست عشرة سنة.

الثالثة: أنه ما كان يدخل فيه حديثا إلا بعد أن يستخير الله.

الرابعة: أنه كان يغتسل لكل حديث.

الخامسة: أنه كان يصلي لكل حديث.

السادسة: أنه كان يتحرى الصحة في كل حديث يختاره.

السابعة: أنه أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد.

رحم الله الإمام البخاري وأجزل له العطية، فقد ترك بعده علما نافعا لمحبي السنة النبوية. فعمله لم ينقطع، بل هو مسند مرفوع متصل، صحيح محكم عال، بما أسداه من الصالحات في الحياة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية. أو علم ينتفع به. أو ولد صالح يدعو له".

وللبخاري من هذا الحظ الوافر والنصيب الحاضر.. فلا يزال كتابه يقرأ ويتدارسه المسلمون وينتفعون به، ويترحمون على مؤلفه ويسألون الله له المغفرة.




من أرشيف الموقع

حدث في 4 آذار / مارس

حدث في 4 آذار / مارس

حدث في 29 آذار / مارس

حدث في 29 آذار / مارس

تخلصي من حب الشباب بأسهل الطرق

تخلصي من حب الشباب بأسهل الطرق

حدث في 13 كانون الثاني / يناير

حدث في 13 كانون الثاني / يناير

من يحمي صيدا الرومانيّة؟

من يحمي صيدا الرومانيّة؟

يقظة ايرانية متأخرة في سوريا..

يقظة ايرانية متأخرة في سوريا..

حدث في 5 آذار / مارس

حدث في 5 آذار / مارس