بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - لتعرف مَن أنت يجب أن تعرف من أبطالك

الدكتور محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

لا يوجد في قِمَّة هرم الصالحين أفضل من أهل البيت والصحابة، لذلك يأتي الاهتمامُ بسيرهم والاطلاعُ على تراجمهم مُحتَّمًا على كل مثقَّف حرٍّ يتمتَّع بالشخصية الموضوعية والرصانة العلمية، ليستلهم من معينهم النابض ومن عَلاقتهم ببعض ما يكون له نبراسًا حضاريًّا ونورًا وهداية إذا ما تشعَّبت به الطرق.

يقول أيوب السختياني رحمه الله: "من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليًّا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحابه صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق".

وبالنظر إلى أهل المدينة الذين ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمراسلة، فأثمر ينعُهم وطاب غرسهم، نجد من وقائعهم التي تطيش لها العقول وتضطرب لها القلوب، أنْ عرض سعد بن الربيع على أخيه عبد الرحمن بن عوف شطر ماله وأجمل نسائه.

فإذا كان ذلك كذلك، فإننا نتساءل: ما الشأن بمن عايشهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وربَّاهم على عينه؟ ما مدى نجاحه معهم وفيهم وبهم؟

ولئن عجبت - أخي الكريم - من حُسن صنيع الأنصاري، فلتعلم أنَّ أخاه المهاجري قد قال له: "بارك الله لك في أهلك ومالك. أين سوقكم؟".

قوم رُبُّوا على عزة النفس، زُرع الإيمان في قلوبهم زرعًا، ألا ينبغي علينا أن نحترمهم؟! وهل تستقيم حالهم وتعديل الربِّ لهم وشهادة القرآن بفضلهم وصلاحهم مع إصرار بعض الأقلام على اتهامهم؟! كيف يمكننا أن نقدِّم نجاحات على طريق الوحدة والتقارب مع وجود هذا التباين في النظر إليهم؟

نحن بحاجة إلى أن نقفز بخطوات تصحيحية جريئة نحو الأمام، في إعادة رسم خارطة الطريق على ضوء نقد التراث الإخباري والروائي ومحاكمته لمسلمات العقل وقواعد النقل. وإلا فإنَّ كثيرًا من الحكايات الشعبية هو مبالغ فيه ومزيد عليه. لذلك ينادي الإصلاحيون في كل مذهب وطائفة إلى غربلة هذه الأخبار والمآتم والمصارع وصولاً إلى تفكيك الاستبداد، والخروج لزامًا من ربقة التقليد والتبعية العمياء في قضايا التاريخ ومسائل الاعتقاد.

ثَمَّ تساؤلات تواجهنا تحتاج إلى إجابات شافية وافية كافية مقنعة، تساؤلات تورث - بحدِّ ذاتها - الإجهازَ على الصورة العدائية التي تبثها بعض المخيِّلات عن علاقة الصحابة بالقرابة استنادًا على سعة خيال أصحابها من جهة، وعلى اعتمادهم من جهة أخرى على روايات الكذابين والمتهمين والضعفاء والقصاصين والمتندرين!

فهل تجوز محاكمة جيل غرس نبتتَهم بيديه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لأخبار واهية وروايات لا زمام لها ولا خطام، ثم نقدِّمهم على أنهم الأنموذج لتربية النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته؟!

إنَّ من يظن السوء في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته يجب عليه أن يعاود تلاوة القرآن العظيم بتدبُّر وإمعان تفكُّر. فإنْ يفعل فسيجد أنَّ فضل الله قد عمَّ الصحابة جميعًا.

قال الله تعالى: {وَما لَكُم أَلّا تُنفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ ميراثُ السَّماواتِ وَالأَرضِ لا يَستَوي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنفَقوا مِن بَعدُ وَقاتَلوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنى وَاللَّهُ بِما تَعمَلونَ خَبيرٌ} [الحديد: ١٠].

ثم قال تعالى: {إِنَّ الَّذينَ سَبَقَت لَهُم مِنَّا الحُسنى أُولئِكَ عَنها مُبعَدونَ * لا يَسمَعونَ حَسيسَها وَهُم في مَا اشتَهَت أَنفُسُهُم خالِدونَ * لا يَحزُنُهُمُ الفَزَعُ الأَكبَرُ وَتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ هذا يَومُكُمُ الَّذي كُنتُم توعَدونَ} [الأنبياء: ١٠١-١٠٣].

ونحن - كموجِّهين وتربويين - إذ نحذِّر من الطائفية والحزبية والعائلية على الدوام، فإننا في أيام حزينة، الواجب فيها إظهار الإسلام، لا الطائفة أو المذهب.

فاجعلوا نُصْبَ أعينكم وحدة أمَّتكم ودولتكم وبلدتكم ومجتمعكم، وإيَّاكم أن تتخذوا من المذهب أو الطائفة أسباب فرقة وانقسام. ألا فحافظوا على وحدتكم الدينية والوطنية. وتذكَّروا أنَّ حفظ أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم هو من مقاصد الشريعة الغراء.

وقد جاء الخطاب بذلك في غير مورد سيما في حجة الوداع بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا".

واعلموا - رحمكم الله - "أنَّ الاقتتال الداخلي لا يخدم إلا اليهود والغرب وعملاءهم سواء كان بخلفية فكرية أو سياسية أو مذهبية أو عشائرية. هؤلاء يُمعِنون في تمزيق وحدة الأمة الإسلامية إلى قوميات وعرقيات ومحاور؛ بهدف استمرار ضعفها وإذلالها وتضييع حقوقها والمقامرة بمصيرها عبر حروب وهمية وعداوة شكلية هنا وهناك وهنالك".

قال الله تعالى: {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَأَنا رَبُّكُم فَاعبُدونِ} [الأنبياء: ٩٢].

وقال عز وجل: {وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وَأَنا رَبُّكُم فَاتَّقونِ} [المؤمنون: ٥٢].

وكخطوات عملية على طريق التصحيح والتقارب نوصي بالآتي:

١) التحدُّث بفضائل أهل البيت والصحابة، وإعلان موالاتهم، ومدارسة تاريخهم وأعمالهم.

٢) إشاعة الترضي عن الصحب والآل، وبث وقائع المحبة ومصاديق الألفة والمودة في ما بينهم، ونشر ثقافة الأخوة التي كانت تكتنفهم.

٣) غربلة كتب التاريخ كما هو الحاصل في مصنَّفات الحديث، والإعراض عن الضعيف والمنكر، فضلاً عن المكذوب والموضوع. و"إياك أن تقول كلامًا فيه اتهام لمسلم لا تستطيع أن تُثْبتَه إذا قيل لك يوم القيامة: {قُل هاتوا بُرهانَكُم إِن كُنتُم صادِقينَ} [النمل: ٦٤]".

٤) فهم الأحداث والوقائع والأحاديث الصحيحة بما يتوافق مع واقعهم ويتواءم مع فضلهم وإنجازاتهم، لا الذهاب إلى تحميلها ما لا تحتمل، واختيار لَيِّ أعناقها بما لا ينسجم.

٥) عدم العودة بالأمة إلى الوراء ومطالبتها بالثارات والزج بها في قفص الاتهام، بل العمل بما يوحِّد الجماعات ويخفِّف من أسباب الاحتقان، والنهوض بالأمة على أساس وحدة الإنسان والصالح العام، والبحث دومًا عن المشترك وتفعيله.

٦) الشعور بخطورة العدو الذي يقبع على صدر الأمة ويترصَّد تحركاتها ويطمع بخيراتها وينعم بانشغال الأمة بانقسامها عن الاتحاد على مواجهته ومجابهته ودحره والقضاء عليه.




من أرشيف الموقع

حدث في 15 آذار / مارس

حدث في 15 آذار / مارس

حدث في 3 آذار / مارس

حدث في 3 آذار / مارس

شحّ الدولار يهدّد المؤسسات

شحّ الدولار يهدّد المؤسسات

صيدا في عصر المماليك

صيدا في عصر المماليك

سودة بنت زمعة رضي الله عنها

سودة بنت زمعة رضي الله عنها