بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - كل نفس بما كسبت رهينة

الشيخ محمد فؤاد ضاهر / موقع بوابة صيدا

يقول أحد الحكماء: لو استبدلنا مقولة: للحيطان آذان، بمقولة: للملائكة أقلام؛ لخرج جيلٌ لا يخشى إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه.

منذ ليلتين صليت خلف الإمام، كان يقرأ من قول الله تعالى في "سورة الطور": {والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء}، حتى بلغ: {كل امرئ بما كسب رهين}. فأخذتني الرعشة، وتملكني الخوف، وشعرت بإحساس غريب، وكأني أسمع الآية للمرة الأولى!

تذكرت قول عملاق الإسلام وصوت العدالة الإنسانية الفاروق عمر، غداة إعلان أبي بكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بشكل قاطع، حين قال الصديق: "أيها الناس، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت". ثم تلا الصديق قول الباري جل وعز: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقبل على عقبيه فلن يضر الله شيئا، وسيجزي الله الشكرين}. فقال عمر، وهو الإمام الفقيه المجتهد حافظ القرآن: "فوالله، لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلاها أبو بكر يومئذ...".

مع قيام الفارق بين الموضوعين، إلا أن وجه الاتفاق بينهما يظهر في المرء حين يصاب بصدمة، فيكون لهذه الصدمة من التأثير العكسي على الإنسان، بحيث ينقلب جسدا بلا روح، عقلا بلا تفكير... ثم سرعان ما تخور قواه، ولا يتمالك نفسه.. فيصير مهزوزا مستلبا، قد ضعفت أعصابه لشدة وقع هذه المصيبة عليه، لما تمثل، وبما ترمز إليه.

فإذا سمع ما يفوق الصدمة نفسها تأثيرا وانفعالا؛ اشرأبت عنقه، وجحظت عيناه، وأصغى بأذنيه... ما يولد لدى المصدوم انبعاثا جديدا، يوقظ التنبه الساهي، وثير الوعي الغافل...

هذا الشأن مع القرآن الكريم كلام المولى الحكيم، إذا سمعه المؤمن، أحدث في نفسه انسجاما كليا مع المثل العليا، قال الحق سبحانه: {لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خشعا متصدعا من خشية الله}. فكيف إذا كان الموقف مع لون بياني أدبي بلاغي، يصحب بين معانيه الترهيب والتهديد، والتخويف والوعيد؟

قال الله تعالى: {كل امرئ بما كسب رهين}، وقال عز من قائل: {كل نفس بما كسبت رهينة}. فلا إله إلا الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

إلى أين المفر؟ ما الحيلة؟ هل لأحد المهرب؟ ما طرق الخلاص وسبل النجاة؟

أما كلامك يا ابن آدم وأقوالك، وأعمالك وأفعالك، فالله سامعك وناظرك، قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}. ألا فانتق ما تكتب، فأنت تكتب والملائكة تكتب، قال الله تعالى: {وإن عليكم لحفظين. كراما كتبين. يعملون ما تفعلون}.

يأتي صحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه ذنبا ارتكبه، لقد قبل امرأة لا تحل له! يا الله، نفوس عرفت الله، ففرت إليه. شاب وقع في الحرام بداعي الشهوة، في استجابة طبيعية للغريزة الشهوانية المودعة في الكائن البشري غير المعصوم. فلما أيقن أنه هالك لا محالة، جاء تائبا، وعاد مستغفرا.

ليت شعري! ماذا يقول الظالمون إذا ما وقفوا بين يدي الديان في محكمة الجبار، في يوم مقداره خمسون ألف سنة، وقد نصب الصراط، ووضع الميزان، وبرزت الجحيم للغاوين، وجاء الملك صفا صفا؟!

ما نفع مالك يا موهوم؟ وبم سينفعهم جاههم؟ وبم سيجيب عنهم سلطانهم؟

أين حشمهم وخدمهم؟ أين قصورهم وممتلكاتهم؟

أحد المخلوعين عن كراسيهم الزائلة يتوج فرعون على مصر! مباركة لأعماله الإجرامية التي شفعت له عند أربابه، فنال البراءة على إغلاقه المعابر، ومحاربته الدين، وتشجيعه العربدة والفجور، وقتله شعبه؛ الأبرياء والعزل...

فلا إله إلا الله.. رحم الله الإمام العلم، فارس المنابر الخطيب الفوه، الشيخ عبد الحميد كشك إذ يقول: "تسعة أعشار الظلم في مصر، والعشر الأخير يجوب العالم، ثم يبيت آخر الليل في مصر!".

ويل للعرب من شر قد اقترب.

أوقفني غلام يافع لم ينبت الشعر على لحييه، وأنا أقود السيارة، يسألني: يا مولانا، آذيت هرة بلا قصد، فماذا أفعل؟

يا الله.. فتى يشعر بالذنب، يؤنبه ضميره، تشتعل نار المسؤولية في داخله ووجدانه، فتستجيب لها عيناه وقد طفر منها الدمع، واضطرب فؤاده، وارتعدت فرائصه... على هرة آذاها عن غير سابق قصد وإصرار وتصميم.

رحمك الله يا ابن الخطاب، وطيب الله ثراك، ورضي الله عنك وأرضاك... يخبرنا عمه، حماه، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيقول: رأيت عمر على قتب (الإبل العوامل) يعدو! فقلت: يا أمير المؤمنين، أين تذهب؟! فقال: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه. فقلت: لقد أتعبت من بعدك! فقال: فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالنبوة، لو أن عناقا (الأنثى من ولد المعز) ذهبت بشاطئ الفرات؛ لأخذ بها عمر يوم القيامة!

فقولوا لي - بالله عليكم -: بأي شيء يشعر حكام العرب، وملوك العرب، وقضاة العرب؟

لقد تعطل الإحساس.. تعطل الشعور.. رفع الحياء.. ونضب ماء الوجه..!

فمن تكون هذه حاله، ماذا تنتظر منه؟

إن الله يمهل ولا يهمل، ويفسح في الأجل ويمد في العمر دون الأزل، ويزيدهم من القوة والبطش.. حتى إذا أخذهم لم يفلتهم أبدا، وإذا انتقم منهم جعلهم عبرة لمن يعتبر، وآية للبشر.

فالنمرود بن كنعان انتهت قصته ببعوضة، وانتهت قصة فرعون بالماء، أما قارون فبالخسف، وأبرهة الأشرم انتهت قصته بحجارة من سجيل، والأحزاب سخر الله عليهم الريح العاصف...

سبحان الله! تأملوا – إخوتاه - كيف أن الله ينهي قصص الباطل بأشياء يسيرة جدا. فيا أيها المظلوم، أيها المستضعف.. لا تشغل بالك كيف سينتهي الباطل، كيف سيتوقف الظلم، لأنه لا محالة زائل. لكن أشغل نفسك - رحمك الله- كيف تنصر الحق، وتذود عن الحق، لأن الحق حق، والحق باق رغم أنف الظالمين.. {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عقبة الأمور}.

فما تواجهه الأمة من حملة شعواء، وحرب ضروس، وتخويف... إنما هو ابتلاء من الله، يمحص به المؤمنين، ويميز الخبيث من الطيب، كما قال الله رب العالمين في آي الذكر الحكيم: {ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم، أولئك هم الخسرون}.




من أرشيف الموقع

لقاء مع مصطفى محي الدين جمال

لقاء مع مصطفى محي الدين جمال

حكم النكاح بنية الطلاق (2) [25]

حكم النكاح بنية الطلاق (2) [25]

هل تخلع حنان ترك الحجاب؟

هل تخلع حنان ترك الحجاب؟

الحلقة (72): حزيران 1982... كل شيء تغير

الحلقة (72): حزيران 1982... كل شيء تغير