بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - قبسات من تعظيم قدر المصطفى صلى الله عليه وسلم

الشيخ محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

تظلنا في هذه الأيام الميمونة ذكرى ولادة الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وسلم. ولعل كثيرين سيكتبون في سيرته، وأخلاقه، وشمائله... وستطالعنا الاحتفالات مشنفة آذاننا بالقصائد، والمدائح، وقراءة المولد...

فأراني في حاجة ملحة للحديث عن جانب آخر من الحضرة النبوية، في وقت طغت فيه الماديات، ونشبت في المطارحات والخلافيات... فنسينا الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم!

صحيح جدا أن هذه المناسبة تطل اليوم لتجديد الوفاء لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والعمل الجاد لرأب الصدع القائم بين صفوف الأمة.

وصحيح أيضا أن مناسبة المولد تبعث فينا الأمل من جديد، فتجهز على مكامن الضعف في الأمة، لتستبدلها بأسباب النهوض، والأمة تستحضر في ذاكرتها البيئة والطبيعة والظروف والملابسات التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لكن هذا كله يبقى أثرا بين صفحات التاريخ، وسردا في طيات الكتب، حبيس الرفوف، لا روح فيه، إلى اليوم الذي نشعر فيه بعظمة محمد صلى الله عليه وسلم تتجسد في أخلاقنا وسلوكنا وأفعالنا وأقوالنا، فنتخذه أسوة حسنة، وقدوة تقتفى، وصدق الله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}.

لقد كان من تعظيم الله لقدر حبيبه صلى الله عليه وسلم أن رفع اسمه دون سواه مع ذكر اسم الله جل في علاه.

ومن تعظيم الصحابة رضي الله عنهم لقدر نبيهم صلى الله عليه وسلم ما شهد به عروة بن مسعود الثقفي حين كان مشركاً إذ وفد على النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يناقشه في الإسلام! فرأى العجب العجاب من التعظيم والتبجيل والتقدير والاحترام لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولم لا؟ وهم القوم الذين أدبهم ربهم خير تأديب، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم}.

وظني بك أن مفاجأة الحدث ستأخذك إلى أقصى حد إذا ما عرفت أن هذه الآية الكريمة نزلت في السيدين العظيمين والشيخين الفاضلين: أبي بكر وعمر!

نعم، إن المولى سبحانه يؤدب عباده الصالحين، وينزل الآيات الكريمات في ترشيد أصفيائه المتقين، ليضطلعوا بعد بتعاهد الأمة وحسن رعايتها.

عن محمد بن ثابت بن شماس قال: لما نزلت هذه الآية: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي}، قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي بن العجلان، فقال: ما يبكيك؟ قال: هذه الآية، أتخوف أن تكون نزلت في وأنا صيت رفيع الصوت!

فرفع عاصم الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي داعبه مخففا عنه واعدا إياه بقوله: "أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنة؟". قال: رضيت، ولا أرفع صوتي أبدا على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأنزل الله عز وجل: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى}، أي: أخلصها وصفاها لتظهر منهم التقوى، وتبدو عليهم علامات الصلاح والمغفرة.

فإذا كان هذا الصحابي الجليل قد بكى على قارعة الطريق وأجهش بالبكاء حتى ابتلت لحيته، لمجرد أنه رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، بطبيعته الجبلية التي خلقه الله عليها، دون أيما قصد منه أو إيذاء متعمد أو سوء نية أو خبيئة طوية... فماذا ينبغي أن يكون موقفنا نحن وقد أحكم الكثير منا أهواءهم في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ورفعوا عقيرتهم في الطعن بأزواجه أمهات المؤمنين، وحادوا الله وشاقوا رسوله صلى الله عليه وسلم في مناوأة أصحابه وأهل بيته؟!

إني لا أجد أبلغ من شهادة عروة بن سعود الثقفي وهو يدلي بها إلى التاريخ والأمم المتعاقبة، على مسمع من بني جلدته وأهل ملته، يصف حال الصحابة الأخيار في تأدبهم مع النبي المختار صلى الله عليه وسلم، وفيهم من يكبره سنا، أو يتصل به نسبا وصهرا، يقول: " أي قوم، والله، لقد وفدت على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله، إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا. والله، إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده. وما يحدون النظر إليه تعظيما له" (البخاري).

قارن بين هذه الصورة المشرقة من معاملة الصحابة نبيهم صلى الله عليه وسلم، إذ تنطق بنفسها على ما فيها من دلالات الحب والاحترام والتعظيم والعرفان، وبين ما قاله أهل الرسالات السابقة لأنبيائهم.

فقارن بين صنيع تلاميذ بيت النبوة مع ما قاله أصحاب موسى لنبيهم: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}، وقولهم: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}!!

لجهة أن هؤلاء الذين سألوا كليم الله موسى أن يروا الله سبحانه جهرة كانوا خيار بني إسرائل وأفضلهم كما قال الله تعالى: {واختار موسى قومه سبعين رجلا}، فدل ذلك على أن هؤلاء السبعين هم أفضل بني إسرائيل مطلقا، وأنه لم يكد يخلف بعده فاضلا! ومع هذا فلما جاؤوا لميقات ربهم قالوا ما قالوا!

فماذا كانت عاقبتهم؟

لقد أخذتهم الرجفة، حتى قال موسى لربه: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا}. فسماهم مع فضلهم: سفهاء! فما بالك بمن تركهم خلفه؟

أما إذا قلبت الصفحة، فحبذا أن تتأمل أي حدث سيطالعك:

أخرج البخاري عن طارق بن شهاب، قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به -أي: من كل شيء يقابله به ويوزن من أمور الدنيا-:

أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين. فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ههنا قاعدون! ولكن امض ونحن معك نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك.

فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره".

وكان ذلك في غزوة بدر، وهي أول المعارك، والمسلمون جديدو عهد بالقتال، وبقدرتهم عليه، والمشركون يفوقونهم عددا وعتادا وجهوزية!

أما احتفاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم به، فتكاد لا تجد له نظيرا البتة، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله اختارني، واختار لي أصحابا، فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا. فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل".

هذه بعض المشاهد نستذكرها بمناسبة مولد خير البرية، عسى أن تضفي على سلوكنا معنى جديدا، يحتم علينا فهم الحقيقة المحمدية أقصى ما يمكن للعقل البشري أن يصل إليه. مستلهمين من اختيار الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبي الإنسانية ورحمة الله للبشرية ما يمسح الله به عنا ألم الطغاة وظلم العتاة، ونوحد الاتباع فلا يكون إلا للقائد الأعظم والنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم...




من أرشيف الموقع

حكم زواج المتعة (6) [18]

حكم زواج المتعة (6) [18]

 مجرد أوهام

 مجرد أوهام

الددا ـ كندرجي  صيدا القديمة

الددا ـ كندرجي صيدا القديمة