بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - تَرْشِيدُ الخِطَابِ الدِّينيِّ ودَوْرُهُ فِي الحَدِّ مِنْ ظَاهِرَةِ الفَتَاوَى الشَّاذَّةِ

كتب الشيخ محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

كثيرة هي الصيحات التي نادت وطالبت بتجديد الخطاب الديني، إثر الشكاية من ظاهرة الفتاوى الشاذة واللامسؤولة، التي قطعت الأرحام وأواصر الأوطان، وألَّبت الرأي العام، دون مراعاة لمآلات هذه الأحكام.

وهي صرخات صادرة عن عمق الواقع الديني والعلمي الذي تعيشه مجتمعاتنا المعاصرة، في ظلِّ ما تشهده من هرج ومرج، وما يقابل ذلك من تطوُّر ومدنيَّة وانفتاح يرفض الاستمرار بالطريقة نفسها التي كانت حاضرة منذ عقود حتى الآن. وهذا ما يدلِّل – عمومًا - على يسر الشريعة ومرونة التشريع وقابليته للتطبيق والتنفيذ في أيِّ زمان ومكان، ومقدرته على التكيُّف مع العوائد والمستجدَّات، وصلاحيَّته للمرجعيَّة والاحتكام.

بناءً عليه، يتهدَّد سمعة الفتوى وتحفُّ مآلاتها في العالَمين العربيِّ والإسلاميِّ العديدُ من المخاطر؛ فمن جدلية الفوضى الفكرية، وتفلُّت زمام الإفتاء والاجتهاد، مرورًا بتسفيه العقل المسلم وتعطيل الرأي الحواري والمنفتح، إلى هواجس العولمة والحداثة وتأثيراتها الأيديولوجية في ثقافة الأجيال الصاعدة والعادات المتوارثة والذاكرة الجماعية للأمَّة الإسلامية، فالتشدُّد ونقيضه، زيادة على ما يُستتبع من حوادث ووقائع تِقنية ومعلوماتية ومعاملاتية تحتاج إلى إمعانِ نظرٍ فيها، وصولاً إلى مواجهة التطرُّف والانحلال، والذوبان وتمييع الهُويَّة، ولَيِّ أعناق النصوص الدينية والانحراف بها عن أصول العقائد الإيمانية الحقَّة، مقابل قعود بعض المؤسَّسات عن القيام بدورها الواجب عليها دينيًّا وأدبيًّا، واستقالة جهات أخرى عن النُّهوض بالحِسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتغييب دور الوعظ والإرشاد عمَّا يحيط بالأمَّة من أزْمات ومخاوف كبرى، وقصره على جوانب محدودة لا تعدو بعضًا من المظاهر، أو الإيغال في الرقائق، إلخ.

وهي كلُّها تحدِّيات حقيقية قائمة على قَدَمٍ وساق، وبعضُها مدروس ومخطَّط له، تتضافر عليه مراكزُ أبحاثٍ ودراسات، وربَّما وراءهم أنظمةٌ وأجهزةٌ، تُرصَد لأجله الأموالُ والميزانيات، وتُفنى فيه الأعمارُ والأوقات.

ينادي هذا الواقعُ المأزوم بضرورة أن نعيد صياغةَ أسلوب الفتوى والنظرَ في مؤهِّلات من يتصدَّر لها، في عملية تأصيلية ترمي إلى تشكيل الملَكة الإفتائية ذات البعد الحيوي، الضامن لاستتباب الأمن واستقرار المجتمعات، متماهية مع الحرِّيَّات العامَّة في بعث التنوير وصون التراث، من خلال انطلاقةٍ تنموية وحركة عِلمية قافزة تجمع بين الأصالة والحداثة للمحافظة على الكِيان، ووقاية الوجود من تهديدات العدم والفراغ، والجهل والدَّجَل، والعنف والإرهاب.

إنَّ هذه الأزمة التي تغلغلت في البيئة الإسلامية منذ ردح من الزمن، والتي تتمثَّل في تصدُّر المتعالمين وأشباههم لإصدار الأحكام المرتجلة والفتاوى العشوائية، التي باتت تهدِّد النسيج المجتمعيَّ والأمن الوطني، حتى ارتفعت الأصوات المنادية بتجديد الخطاب الديني، في سبيل الحدِّ من هذه الظاهرة، وإعادة الثقة بالعمامة الشرعية والمرجعيات الروحية... لم تكن وليدة هذا الزمان، ولا وُجدت طفرة واحدة، بل هي موجودة -بأعيانها أو أوصافها- منذ أمد بعيد، على نحو آراء ومقالات وفتاوى مبثوثة في بطون المصنَّفات، وموزَّعة بين الفرق والجماعات، بنسب متفاوتة وباختيارات متباينة، ولها مصاديقها في الواقع، دلَّت عليها تجلياتُها في أنظمة دكتاتورية، وجماعات إرهابية، وأفكار ماجنة متحلِّلة من قيود الشرع.

بيد أنَّ تكنلوجيا الاتِّصالات والتَّقْنية الحديثة وسرعة الوصول إلى المعلومة - صوتًا وصورة - في واقع أمست فيه الكرة الأرضية أشبهَ بقرية صغيرة، أسهم بشكل كبير في انتشارها وانتقالها، حيث يحملها على الأثير والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، ويعبر بها على مساحات شاسعة في الأجواء المحلية والإقليمية والدَّوْلية دون مراقب أو حسيب.

هنا تبرز مشكلة جديدة ناتجة عن الرغبة الجامحة لدى المنصَّات الإعلامية إلى السبق الصحفي في تسجيل الأولية بنشر كلِّ مستغرَب، دون مراعاة للمبادئ المهنية والأخلاقية التي هي كفيلة في وأد الفوضى من أيِّ منشأ كانت. والتعمية على الخطاب العلمي الموازي الذي يقوم على التبصير بحقائق الأشياء والنظر في مغبَّاتها خشية الوقوع في نتائج وخيمة مضرَّة لا تُحمَد عُقباها.

ومن يتأمَّل هذه الفتاوى المتطايرة ويلحظ نتائجها وشظاياها، يجد أنها تقوِّض انتشار الإسلام، وترجع على أهله وأبنائه بالنقيصة، وتورث فيهم الخوف والإحباط، وتوزِّع المجتمع إلى أشلاء.

وحيث إنَّ هذه الفتاوى المتشدِّدة في صبغتها الدينية، أو المداهنة للأنظمة والحُكَّام في إطلالتها السياسية، قد تجاوزت مرحلة الاجتهاد في حدود العبادات ومسائل المعاملات وخلافه، حتى تجاسرت على الإفتاء في أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم، ورسم السياسات الناظرة في معاشهم وعمرانهم، على أساس من الغلوِّ في طرفي النقيض من تشدُّد أو تسيُّب، وكانت السبب المباشر في استنزاف طاقات الأمَّة الشبابية، وإشعال فتيل الفتنة الطائفية والمذهبية في عرض البلاد وطولها، واستنبات جماعات وأحزاب قادتها أسماء وكنى مجهولة العين مجهولة الحال مجهولة الصفة، حتى أعملت السِّكِّين في رقاب المسلمين وغيرهم من الآمنين!

إزاء هذه الحيثيات، وتفرُّد الشريعة بالفتوى والاجتهاد المحتكِم إلى مصالح العباد في الدارين؛ بإصلاح معاشهم في الأولى وتزكية قلوبهم للآخرة، وانتهاض الأسباب الدافعة إلى إعادة النظر في هذا السياق المستهجن، ورسم الخارطة العلمية الناظمة للمعايير الشرعية، الضابطة لصفة المفتي وأصول الفتوى، مع الأخذ بعين الاعتبار أحوال المستفتي على قاعدة أنَّ اتِّحاد الاستفتاء وتوافقه لا يلزم منه اتِّحاد الفتوى.

لذلك، وجب على أهل العلم وطلابه الغيورين على حِمى الإسلام كنظام عالمي وقانون سماوي، والمعنيين بالبحث العلمي، أنْ يسعوا جادِّين بكل حرص ومسؤولية إلى إيجاد الحلول الناجعة والبدائل القويمة، للخروج بالفتوى من تيك الأزمة. وتكوين العلماء والدعاة، وتأهيلهم وتدريبهم، وتزويدهم بأصول الخطاب و (أتيكيت) الحديث والكلام بحقل معجميٍّ وفير العبارات والمفردات والجمل المناسبة والملائمة، وتهذيب سلوكهم وتصرُّفاتهم، وإلزامهم بتطوير مهاراتهم وخِبْراتهم في تجاوز الصعاب وإدارة المواجهات، بما يعود بالخير العميم على الفرد والأسرة والمجتمع والوطن.

ولا يتأتَّى هذا إلا بتهيئة الأجواء المُثلى لطلب العلم الشرعي على أساطين العلم المشهود لهم بالفضل، والتدرُّج على أيدي المربِّين الربَّانيين. ثم بالتضلُّع من علوم إنسانية مساعدة - خارج إطار المواد النظامية المحدودة التي تُدرَّس في المعاهد والجامعات الشرعية - كعلم النفس والسلوك والتربية والاجتماع.

ثم بالإمعان في الواقع والتفقُّه فيه، لئلَّا يفتي في مسألة استنادًا إلى القياس -مثلاً- والظروفُ والأحوال تتطلَّب العدولَ عنه إلى الاستحسان أو الاستصلاح أو العرف أو سد الذريعة أو فتحها ونحو ذلك.

ثم بالتدرُّب وممارسة الفتوى عمليًّا تحت أعين العلماء المجازين وعلى سمعهم، في خطوة عملية لتنزيل النصوص المجرَّدة على الوقائع المستجدَّة، في سياق يجمع بين التأصيل والتطبيق، كما كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه.

وإذا كانت جملةٌ من الاختصاصات، كالهندسة والطِّب والصيدلة معدودةً مقاعدُها، نظرًا لكونها تلتزم بعدد محدَّد من الطلاب الراغبين بدراستها، وتشترط لقَبولهم الحصول على معدَّل معيَّن. كما تلزمهم بالحضور وتمنع عليهم الانتساب أو الغياب المتكرَّر تحت طائلة الفصل من الكلية المنتمين إليها.

وإذا كانت هذه الاختصاصات إضافة إلى الحقوق والاجتماع وغيرها، تطالبهم أن يخضعوا للتدرب والتمرين، كل في موقعه بحسب اختصاصه؛ إن بالمستشفى أو الصيدلية أو المختبرات أو مكاتب المحامين في الاستئناف أو مراكز التوعية والنهوض بالمجتمع إلخ.

فإنَّ على المعاهد الشرعية والكليات العلمية المتخصِّصة أن تلتزم ذلك من بابٍ أولى. وأن تباشر المؤسَّسات الرسمية بالرقابة على تطبيقه وحُسن سيره. ويبرز دور وزارة التربية والتعليم في الحدِّ من ظاهرة تفشِّي المعاهد والكليات إلاَّ بشروط نظامية ومناهج علمية تتوافق ورؤية دار الفتوى وموقعها في قلب الأمَّة ووسط الوطن.

وأن تحظر الدارُ الظهور الإعلاميَّ على شاشات التلفزة والإعلام إلاَّ بإذن رسميٍّ منها، بعد أن يكون المعنيُّ قد استوفى في ذاتيَّة نفسه المعايير الآنفة، وآنست منه اللجنة المختصَّة المقدرةَ والاستعداد على تقبُّل الفتاوى والنظر فيها.

من جهة أخرى، تمنع على وسائل الإعلام ودور النشر وسائر الأندية و (الصالونات) استضافة أحد، أو طباعة كتاب، إلاَّ بعد الرجوع إليها، وأن ترسم في ذلك قانونًا تودعه لدى الجهات المختصَّة تحت طائلة المحاسبة والملاحقة القانونية، دفعًا لغائلة التسيُّب واللامبالاة، وتجاوز اللوائح والأنظمة.

ولا أخال هذا الطرح يتناقض مع حريَّة التعبير، بل ينسجم مع أسسها وأخلاقياتها، للمحافظة على القواعد العلمية، وتماسك الثوابت الوطنية، والوحدة المجتمعية. بعيدًا عن مغبَّة الإساءة أو إثارة النعرات أو القلاقل والبلبلات، أو نبش التاريخ وأسباب الخلاف، أو الترويج للأغلوطات والهرطقات والمفاهيم الخاطئة، أو أعمال السحر والشعوذة والكهانة، أو التساهل مع الرذيلة والمجون.

فعلى الفتوى يقع عبء الصحوة. وعلى الفتوى يقع همُّ الوحدة. وعلى الفتوى يتوقَّف أمن الأفراد والأسر والمجتمعات والأوطان. فهل سيعي كلُّ متسرِّع إلى الإفتاء مخاطر ما هو هاجم عليه؟ وهل سيبادر المسؤولون إلى استعادة استلام زمام الأمور قبل أن يتفاقم الوضع أكثر ويقع الجميع في محاذير الارتجال والاستعجال؟




من أرشيف الموقع

نساء أبدعن في صيدا

نساء أبدعن في صيدا

تقاتل الديوك والدجاجات السّمان

تقاتل الديوك والدجاجات السّمان

البيان لأحكام صيام رمضان

البيان لأحكام صيام رمضان

كيف تعالجين غرور ابنتك؟

كيف تعالجين غرور ابنتك؟