بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - انعقاد بيعة علي.. ودلالاتها الكلامية والأصولية

بحث/ محمد فؤاد ضاهر / موقع بوابة صيدا

ولي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (الخلافة)، إبان مقتل الشهيد المظلوم عثمان بن عفان، بتزامن مع الأحداث الأليمة التي شقت صف المسلمين وفرقت كلمتهم. فباتت مواجهة هذه الأحداث لرأب الصدع شغله الشاغل.

بويع علي بالخلافة يوم الجمعة الواقع في: ٢٥ ذو الحجة سنة ٣٥ للهجرة، الموافق له: ٢٤ يونيو / حزيران سنة ٦٥٦ للميلاد، في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، بالمدينة النبوية المنورة(١).

كان علي حينئذ أفضل الصحابة، وأجدرهم بالخلافة واستلام زمام الأمور وإدارة شؤون الرعية. فاجتمع عليه المسلمون وسموه: (إماما).

قال سعيد بن المسيب (ت٩٤): لما قتل عثمان جاءت الصحابة وغيرهم إلى دار علي، فقالوا: نبايعك فأنت أحق بها. فقال: "إنما ذلك إلى أهل بدر، فمن رضوا به فهو الخليفة". وقال: "والله، ما كانت لي في الخلافة رغبة، ولا في الولاية إربة"(٢).

فلم يبق أحد إلا أتى عليا. فلما رأى ذلك خرج إلى المسجد وصعد المنبر - وكان أول من صعد إليه - فبايعه طلحة، ثم بايعه الباقون(٣).

على أثره، جاءه الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت (ت٧٥) حتى وقف بين يدي المنبر، وأنشد:

إذا نحن بايعنا عليا، فحسبنا *** أبو حسن، مما نخاف من الفتن

وجدناه أولى الناس بالناس أنه *** أطب قريشا بالكتاب والسنن

وإن قريشا ما تشق غباره *** إذا ما جرى يوما على الضمر البدن

وفيه الذي فيهم من الخير كله *** وما فيهم كل الذي فيه من حسن(٤)

ولما دخل الكوفة قال له أحد حكماء العرب: "والله، يا أمير المؤمنين، لقد زنت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها"(٥).

دامت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وبضعة أيام، ثم اغتيل(٦).

إن امتناع علي - بادي الرأي - عن قبول الخلافة (معقول المعنى)، حيث إنه نظر إلى الواقع الذي انتهت إليه الأمور لجهة مقتل عديله عثمان، فخشي أن يقال: قتله ليتربع على كرسي الخلافة !

ثم إن طول أمد الخلافة عن عصر النبوة، ودخول إنسان جديد في الإسلام لم يشهد الوحي، ولم يترب على مائدة التنزيل، ولم يعش الأخوة الإيمانية التي ربطت بين الجيل الأول... وما طرأ على المجتمع من شبه تفكك، كان من نتائجه الوخيمة استشهاد ذي النورين... ذلك كله دعا عليا أن يؤثر الوزارة على منصب الإمارة، لئلا تلقى عليه تبعات القوم إذا ما جاء يقومهم فلم يستجيبوا له، حتى إذا استعصوا على الترشيد والتوجيه فلا يقال: لا علم لديه بالسياسة !

كيف، وهو ابن بجرتها !! خبر الحياة السياسية وإدارة الدولة، ومارس الحكم تشريعا وإجراء وتنفيذا، منذ أن كان وزيرا لإخوانه الراشدين ممن سبقه.

في المقابل، هذا الموقف السلبي من الخلافة، يفتح البصيرة على نفي أي سوء يظن أن عليا أضمره لإخوانه الخلفاء السابقين، والصحابة أنفسهم الذين بايعوهم ورضوا بهم أئمة عليهم، إذا ما كان فعلا ثمة (اغتصاب) لحق علي بالخلافة !

فضلا عن كونه مدعاة مراجعة لأي نص يوجب على الأمة مبايعة علي! طالما أن عليا نفسه اتخذ موقفا مباينا تماما، وهذا ما لا يجوز في حقه – فرضاً - لئلا يكون متخلفا عن تطبيق النص.

بل إن النص المعصوم يورث التشكيك بذاته لو كان صادرا حقا، انطلاقا من كون هذه الاختيارات السماوية إنما هي بناء على (إرادة كونية)، شأنها في حق الأوصياء شأن النبوة في حق الأنبياء.

فكما أن هذه الأخيرة لا تتخلف مطلقا، لتعلق الأمر الإلهي بها تنجيزا محققا، حيث لا يتصور نبي أوحى الله إليه بالنبوة، ثم قعد ! مهما كانت الظروف من حوله، كذلك الأمر ينسحب بالسوية أو من باب أولى على الإمامة، لدى القائلين بالولاية التكوينية المنوطة بالأئمة.

من جهة أخرى، نرى أن أمير المؤمنين لما تمت له البيعة، وتخلف عنها معاوية والي بلاد الشام، عزم علي أن يأخذها منه بإقامة البرهان العلمي على أحقيته بالخلافة، وأنها تمت له على الوجه الشرعي الذي تلقته الأمة بالقبول، ورد في خطاب أرسله إليه:

" إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد. وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه: إماما؛ كان ذلك لله رضا. فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة؛ ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه ما تولى"(٧).

يلفت هذا النص العزيز إلى جملة قضايا غاية في الخطورة، على النحو التالي:

1) في تأكيد علي أن الإمامة إنما تصدر عن طريق أهل الحل والعقد في الأمة، ما يعني أنها ليست بتنصيب إلهي عبر نص ملزم.

2) وبالتالي، فإنه يصحح خلافة الأئمة قبله حيث لا نص عليه، وأنهم ليسوا مغتصبين حقا ليس لهم.

3) في استشهاد علي بآلية تحقق خلافة إخوانه، بغية إلزام معاوية بيعته على نحو ما التزمه مع سلفه، عمل (بالقياس) كواحد من المصادر التشريعية، بجامع أن كلا من الخلفاء الراشدين الأربعة قد بايعهم أهل الحل والعقد، فانعقدت خلافتهم بذلك صحيحة، فوجب على معاوية اتباعهم، ولا يحق له نقض اتفاقهم.

وفي السياق نفسه، ورد عن علي قوله: "ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب"(٨).

4) إن في احتجاج علي (بالإجماع) المنبثق عن أهل الحل والعقد على شرعية خلافته، تأكيداً لمصدريته وأنه واحد من الأدلة التشريعية التي يرجع إليها، ولا تجوز مخالفة ما يتم الاتفاق عليه.

وقد ورد عنه - بسند ضعيف - أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن، ولم يسمع منك فيه شيء !فقال: "اجمعوا له العالمين من أمتي واجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا برأي واحد"(٩).

5) وأنه تترتب على هذا الإجماع الحقيق صوابية نتائجه، ويستحيل عليه الخطأ.

6) وأنه لا يمكن أن يقع إجماع على خلاف نص أبدا.

لذا، عرّض علي في معاوية، وحذره من الخروج عن أمرهم وتنكب سبيلهم، ودعاه إلى السير على هداهم، في كلام اقتبسه من الآية الشريفة، التي استحضرها في سبيل تقديم الدليل على حجية الإجماع وبيان مصدريته العلمية، وهي قوله تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (١٠).

لتثبيت هذه الحقيقة وأن معاوية ملزم بالمصير إلى ما ترشد إليه الآية الكريمة، يقول علي في خطبة أخرى: "ولعمري، لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس؛ فما إلى ذلك سبيل. ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها. ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار"(١١)

ولا يقال: إنما جارى علي معاوية في موارد الاستدلال ومسالك التعليل، تنزلا معه لإلزامه، ولإقامة الحجة عليه بما يعتقد !!

فهذا لا يتأتى مع ارتضاء علي المنهجية التي تمت في ضوئها خلافة الراشدين، وإعلانه على الأشهاد أن فيها الرضا لرب الأرض والسماوات، فتدبر.

رحم الله عليا، أفدنا منه علما جما، ووقفنا على منهجه في التفكير، وآليته في الاستنباط، فكان رائدا في مجال التنظير، عداء في مجال التفريع والتخريج...

عادت علاقته بإخوانه من الخلفاء الراشدين بمسحات علمية أصولية.

نسأل الحق سبحانه أن يهدينا إلى الحق بالحق...

____________________________________

(1)  الطبقات الكبرى ٣: ٢٢.

(2) نهج البلاغة: ٢/٢١٠/٢٠٠.

(3) تهذيب الأسماء واللغات ١: ٣٨٠.

(4) المستدرك: ٤٥٩٥. الإصابة ٢: ٢٤٠.

(5) تهذيب الأسماء. أسد الغابة ٣: ٦١٠.

(6) الطبقات الكبرى ٣: ٢٧. تاريخ الطبري ٥: ١٥٢. تاريخ خليفة بن خياط ص: ٤٧. تهذيب الأسماء.

(7) نهج البلاغة: ٣/٨/٦.

(8) الفقيه والمتفقه: ٥٢٠.

(9) جامع بيان العلم: ٨٥٢- ٨٥٣. المعجم الأوسط: ١٦١٨. الفقيه والمتفقه: ٥١٩.

(10) سورة النساء: ١١٥.

(11) نهج البلاغة: ٢/١٠٥/١٦٨.




من أرشيف الموقع

أنجبت ثمانية ذكور وفتاة واحدة

أنجبت ثمانية ذكور وفتاة واحدة

قصة صيداوي طلب عدم ذكر اسمه

قصة صيداوي طلب عدم ذكر اسمه

حدث في 17 ايار / مايو

حدث في 17 ايار / مايو

حدث في 25 آذار / مارس

حدث في 25 آذار / مارس