بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الفتح الإسلامي هل كان توسعيا استيطانيا؟

الشيخ محمد فؤاد ضاهر / خاص بوابة صيدا

رب سائل تساوره الشكوك وتنتابه الهواجس عما إذا كانت الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الراشدة توسعية استيطانية استغلالية، يسعى أصحابها إلى نهب الثروات ووضع اليد على الممتلكات وحيازة المقدرات، باسم الله، متخذين من الدين مطية لتحقيق مآربهم وبلوغ نزواتهم الأحادية الجانب والشخصية الهوى، على حساب الكرامة الإنسانية، دون مراعاة للأعراف الدولية والمنظومة الأخلاقية..؟!

ليس تعاطفا وجدانيا مع جيل الصحابة بناء على التربية الإيمانية التفاعلية التي ورثناها كابرا عن كابر...

وليس انعطافا عن وجهة الحق والموضوعية، خشية أن تكذب المسلمات، وتلوى أعناق الثوابت لتتوافق والأهواء والرغبات... بل انسجاما مع الفطرة الإنسانية، ومكاشفة لعقل البشرية، وتحليلا للوقائع التاريخية...

إن الفتح الإسلامي الذي شهدته المنطقة العربية فالإقليمية ثم الدولية، كان بمنتهى الرحمة والإنسانية والشفافية. فنبالة الهدف، وسمو الغاية، وسلامة القصد.. مع حسن الوسيلة، وبلاغة العرض، تعكس الروح الإسلامية والتعاليم السماوية، التي زرعها أعظم داعية في قلب خير قرن بالجزيرة العربية، حتى أثمر ينعها وآتت أكلها، وهي لا تزال في رفعة وشموخ، لا يطاولها مكر الماكرين ولا حقد المارقين، أبدا على مر الدهور والأزمان، وتعاقب الأجيال بالليل والنهار.

وفي المقابل، ليس خافيا البتة موقف الإمبراطوريتين الفارسية والرومية من البلاد التي احتلتهما، حيث كانتا تستغلان أرض مصر والعراق والشام أسوأ استغلال، وتستعبدان السكان الأصليين بأبشع الصور ودون جدوى، سوى إشباع غرائزهم بالأرباح المادية الطائلة والشهوة البهيمية المسعورة!

هذا ما سجله الأستاذ Rom Landau‏ في كتابه "الإسلام والعرب"، بقوله: "كانت تهيمن على الديار المجاورة لبلاد العرب خلال القرن السابع إمبراطوريتان اثنتان: الإمبراطورية البيزنطية، والإمبراطورية الفارسية.

وكان أبناء هذه البلاد الأصليين يرزحون تحت عبء الضرائب الجائرة التي فرضها عليهم الإغريق والفرس، وتحت نير حكمهما الفاسد".

وحيث إن نظرة المستعمر البيزنطي والآخر المجوسي للظروف والمتغيرات نظرة سطحية ودونية ومادية، فإنهم لم يأبهوا للقوة الجديدة التي تشكلت في الجزيرة! حتى إذا تنبهوا لها كان الصدام أمرا محتما. اتخذ بالنسبة إلى المسلمين طابع الدفاع عن عقيدتهم ووجودهم، بينما كان بالنسبة إلى فارس والروم دفاعا عن نظام استعماري توسعي، فرضوه على الشعوب بالقوة السلبية!

أمام هذه الحقائق نتساءل:

- أولا: ما موقف السكان الأصليين للبلاد إبان الفتح الإسلامي؟ هل شاركوا في الحرب ضد المسلمين؟

- ثانيا: هل بقيت البلاد المفتوحة كما كانت قبل، تشكو وطأة المحتل الغاصب الغاشم؟ أم أنها تغيرت إلى الأفضل، وتحققت آمال هذه الشعوب بما عاد عليهم من الأمن والسعادة ورغد العيش؟

يقول د. روم لاندو: "وفي عصر كان السلب والنهب فيه هو القاعدة التي يتبعها كل جيش منتصر لدن دخوله مدينة ما؛ يبدو العهد الذي أعطاه خالد لأهل الشام إنسانيا إلى أبعد الحدود. ويبدو جليا في الواقع أن الكتائب العربية اعتبرت نفسها محررة للشعب المضطهد، وحاملة رسالة الإسلام إليه في آن" (الإسلام والعرب، ص: ٦٠).

استنادا إلى هذا التوصيف الدقيق، فإن من يعتبر نفسه محرر الشعوب المضطهدة وحامل رسلة الإسلام، لا بد أن يكون أداؤه منسجما مع شعاره. حتى إذا بسط يده على البلاد، جاءت شهادة المؤرخين الغربين لتتوافق والأخلاق النبيلة التي سجلتها الوقائع التاريخية كنتاج لروح الشريعة الإسلامية.

وبالعودة إلى المصادر المتخصصة في هذا الشأن نعلم أن رؤساء سواد العراق أتوا عمر بن الخطاب عقيب انتصاره على الفرس، فقالوا:

"يا أمير المؤمنين، إنا كنا قد ظهر علينا أهل فارس، فأضروا بنا وأساءوا إلينا! وأخذوا يذكرون له شيئا من شرورهم وظلمهم، حتى ذكروا النساء، أي: إنهم غلبوهم على نسائهم... ثم قالوا: فلما جاء الله بكم أعجبنا مجيئكم وفرحنا، فلم نردكم عن شيء، ولم نقاتلكم حتى أخرجتموهم عنا" (يحيى بن آدم، الخراج، ص: ٥٠. وأبو عبيد، الأموال، ص: ١٣٠ . وينظر: د. ألفرد بتلر، فتح العرب لمصر).

فهذا الخبر يكشف لنا بوضوح وجلاء مدى ترحيب البلاد المستعمرة بالفتح الإسلامي، وهم الذين كانوا يعيشون بطش هؤلاء الأجلاف الذين تجردوا عن الإنسانية فباتوا وحوشا في جثامين إنس.

ولا زالت صفحات التاريخ تردد لربعي بن عامر مقولته الخالدة في وجه رستم قائد جيش الفرس في "معركة القادسية": " الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عباة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

لذا لم تسجل حالة تمرد ملفتة من البلاد المستعمرة من قبل البيزنطيين والفرس للحضور الإسلامي، ولا ساند أهل هذه البلاد المستوطنين المحتلين في طرد المسلمين.

فكانت نتائج الفتح عليهم أمنا وسلاما وحيوية ونشاطا، بعد أن رفعت عنهم الضرائب، وتمكنوا من ممارسة شعائرهم الدينية بكل حرية، وأريحوا من الخدمة العسكرية، وحفظت بلادهم من هجمات المشاكسين وأطماع الغزاة. وعاشت هذه البلاد حياة مطمئنة لم يسبق أن شهدت لها مثيلا.

على نقيض ما قامت به هجمات الصليبيين عام ١٠٩٩ م، بعد حصار مدينة القدس الذي دام شهرين. يقول د. لاندو: "اقتحم النصارى بيت المقدس بمثل ابتهاج المناصرين المتعصبين المتوقد. وأعملوا السيف في رقاب المسلمين من غير تمييز؛ رجالا ونساء وأطفالا! سواء أكانوا في بيوتهم أم في المساجد!

وواصل النصارى وهم يبكون فرحا بمجزرتهم حتى أخليت المدينة من جميع سكانها المسلمين...

ومثل هذا الإفناء البشري باسم المسيح كان لا بد له أن يذهل الناس. وقد عجزت القرون المتعاقبة عن محو هذه الوصمة" (الإسلام والعرب، ص: ١٢٤- ١٢٥ ).

بناء عليه، لم يكن الفتح الإسلامي يوما من الأيام غزوا بالمعنى السلبي، بل كان عنوانا رحبا دالا على رحمة الإسلام، وسلامة تعاليمه، ومدى نجاح الملتزمين به في إيصال الحضارة إلى ربوع الأرض.




من أرشيف الموقع

سراي سليمان باشا الفرنساوي

سراي سليمان باشا الفرنساوي

حكٌام صيدا المباشرون (المتسلِّم)

حكٌام صيدا المباشرون (المتسلِّم)

حدث في 13 آذار / مارس

حدث في 13 آذار / مارس