بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الروض الباسم في مناقب موسى الكاظم

بقلم الشيخ محمد فؤاد ضاهر / موقع بوابة صيدا

الغضب شعلة نار اقتبست من نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة. وإنها لمستكنة في طي الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد. يستخرجه الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد، كاستخراج الحجر النار من الحديد.

خص الله تعالى من المتقين {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين} (١)، فنوه بذكرهم، وأعلا قدرهم.

يقص علينا القرآن العظيم حادثة هي من أعظم ما ورد في كظم الغيظ، وأكرم ما دل على العفو عن الناس والإحسان إليهم.

يقول الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم} (٢).

لما علم أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن مسطح بن أثاثة تعرض لفراش النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أم المؤمنين عائشة بسوء.. حتى تضمخ بهذا الإثم العظيم.. وكان ينفق عليه ويسد خلته.. لقرابته منه ولفقره وعوزه؛ غضب عليه، وحلف أن يمنعه ما كان يرفده به من طعام وكسوة...

فقد نكر الجميل، ولم يقدر صنائع المعروف. وفعله هذا من شأنه أن يزهد الناس في الخير، ويصرفهم عن عمل البر !

بيد أنه لما كان رد الفعل على هذا الواقع يحتاج إلى بعد نظر وتريث؛ أراد الله أن يصحح تعامل الصديق مع مسطح ويسدده. فموقفه الغاضب هذا لا يتفق وطبيعة الإيمان، لأن الذي يعصي الله فيك لا تكافئه إلا بأن تطيع الله فيه.

وإنك حين تترك من أساء إليك لعقاب الله وتعفو عنه أنت، تكون قد تركته للعقاب الأقوى. حيث إنك إن عاقبته؛ عاقبته بقدرتك وطاقتك.. وإن ترك عقابه لله عاقبه بقدر طاقته وقدرته.. فأين قدرتك من قدرة الله ؟!

حينئذ قال أبو بكر، وقد استجاب لداعي الإيمان في قلبه: "بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي".. وصفح وعفا.. ورجع بالنفقة إلى مسطح، وقال: "لا أنزعها منه أبدا " (٣).

إن هذا المعروف في غاية الترفق والعطف في صلة الرحم.. يعكس في الوقت عينه صفاء نية أبي بكر.. وينبه إلى عظيم فضله وشرفه...

إن تجذر هذه الخصال الحميدة في ذات أبي بكر الصديق، تدلت عن طريقه إلى النسل العلوي الطاهر، والنسب الفاطمي المبارك.. وتجسدت قلبا وقالبا، اسما ومسمى، في نفس سيدنا ومولانا الإمام موسى الكاظم ذي المآثر والمكارم.

فهو الإمام القدوة، السيد الجليل أبو الحسن العلوي (٤)، ذو المناقب الكثيرة (٥)، والأخبار الشهيرة (٦).

دعي الكاظم - في وسطه وبيئته - بالعبد الصالح (٧)، لشدة عبادته واجتهاده في الطاعة.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مشهور بالعبادة والنسك" (٨).

وقال شمس الدين الذهبي: " قد كان من أجواد الحكماء، ومن العباد الأتقياء" (٩).

وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي: "كان كثير العبادة والمروءة" (١٠).

دخل مرة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في أول الليل، فسجد سجدة، فسمع وهو يقول في سجوده، يناجي خالقه ومدبر شؤونه: "عظم الذنب عندي، فليحسن العفو من عندك، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة ".. فجعل يرددها حتى أصبح (١١).

عرف لدى أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله.. فكانوا يقصدونه، يلتسمون منه الدعاء.. فيدعو الله لهم، فيستجيب الله دعاءه، ويقضي حاجة سائليه.

اشتهر عنه البذل والسخاء، والكرم والعطاء.. فكان يصر الصرر بأربع مئة دينار، وثلاث مئة، ومئتين.. ثم يقسمها بالمدينة، فمن جاءته صرة استغنى (١٢).

كان عزيز النفس كثير المروءة، حليما صبورا؛ يبلغه عن رجل أنه يؤذيه، فيبعث إليه بصرة فيها ألف دينار (١٣). فسمي من هذا الوجه: (الكاظم).

هذا هو الكرم، بل ما هو فوق الكرم.. إنه الإيثار، بل ما هو فوق الإيثار.. إنه كظم الغيظ، الداعي إلى العفو عن الناس، الجالب للإحسان.

ولا يزال المرء يحمد على خصاله وسجاياه حتى بعد مماته.. فسبحان من رفع أهل البيت هذه المنزلة، وسقاهم من ينابيع الحكمة السماوية، ما فاضت به قرائحهم معارف إلهية !

ليست عجبا  على أهل البيت هذه المآثر العظيمة، وهاتيك الرشحات الربانية.. وما نحن في صدد ذكره إنما هو غيض من فيض نفحات بيت النبوة ومعدن الرسالة.. اغتمها هذا النسل المبارك، حتى تجلت في أئمة الهدى ومصابيح الدجى مآثر ومعالم، ومدارس ومكارم.

أليست هي امتدادا لمرتبة الصديقية في الأمة، التي تجسدت عناصرها وبرزت مكوناتها في ذات أبي بكر الصديق؟ ثم امتدت على طول التاريخ الإنساني في أحفاده المباركين، من العترة الزكية والقرابة الهاشمية.

حتى فخر بجليل الانتساب إليه سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق (ت١٤٨)، حين قال: "ولدني أبو بكر مرتين" (١٤).

فهذا هو الصادق، وذلك هو الصديق. وهذا هو الكاظم، وذلك من هو بالإحسان عريق.

حج أمير المؤمنين هارون الرشيد (ت١٩٣)، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه سيدنا أبو الحسن، فقال الرشيد: "السلام عليك يا رسول الله، يا ابن عم ".. بصوت يفتخر به على من حوله.. لكونه ابن عم المصطفى صلى الله عليه وسلم ! فهو من نسل العباس بن عبد المطلب.

فدنا موسى بن جعفر، وقال: " السلام عليك يا أبتي".

فتغير وجه هارون، وقال: "هذا الفخر، يا أبا الحسن، حقا" (١٥).

وكان الرشيد يؤثره، ويتجافى عن السعاية فيه (١٦).

من كراماته الدالة على علو شأنه، ورفعة قدره.. أن الخليفة المهدي العباسي (ت١٦٩) أوفد موسى الكاظم إلى بغداد، ثم رده إلى المدينة، لمنام رآه !

ذلك أن المهدي لما حبس سيدنا موسى الكاظم! رأى في النوم سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو يقول له: " يا محمد، {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم} (١٧) ؟! ".. لأن موسى الكاظم هو حفيد ابن أبي طالب عم المهدي !

فقام من الليل وهو يقرأ هذه الآية، وكان أحسن الناس صوتا. وقال: "علي بموسى بن جعفر".. فلما جاءه عانقه وأجلسه إلى جانبه.. وقال له بأدب جم، وتواضع واحترام:

" يا أبا الحسن، رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم، فقرأ علي كذا وكذا. فتؤمنني أن تخرج علي أو على أحد من ولدي؟".

فقال: "والله، لا فعلت ذلك، ولا هو من شأني".

قال: صدقت.

وأمر له بثلاثة آلاف دينار، ورده إلى أهله في المدينة (١٨).

يقول الربيع راوي الحادثة: "فأحكمت أمره ليلا، فما أصبح إلا وهو على الطريق؛ خوف العوائق".

أي: جد في المسير منذ الصباح الباكر، تجنبا لأي شيء يمكن أن يعيقه، فيخلف في وعده !!

مات مولانا الكاظم مسموما سنة (١٨٣)، وخلف من الأبناء والبنات: علي الرضا، أبا بكر، عمر، وعائشة... أسماء نورانية تشع رحمة وهدى ووصلا ومحبة وعرفانا، في سماء العترة الزكية والقرابة النقية.

فرحمه الله ورضي عنه.

وبعد:

فإنني إذ أقدم جانب العظمة في شخصية، قد توارثت العظمة كابرا عن كابر؛ فإنني أسلط الضوء على مناقب عالية الشأن غالية المقام.. لأدعو من خلالها إلى المعاني الراقية التي دعا إليها أئمة أهل البيت، وتفانوا في سبيل تثبيتها.

إنها دعوة للعمل.. وفسحة للمحبة والتسامح والتعاون والإخاء.. وفرصة لغض الطرف، وكظم الغيظ، وحفظ الجوار، ونبذ الفتنة والتطرف، وكف اليد، وصون اللسان.

دعوة للمحافظة على أمن الفرد والمجتمع.. ورعاية شؤون الأمة بما يحقق العدل والمصلحة العامة.

إنها شخصية تدعو إلى الالتزام بالعهد والوعد والميثاق.. والعود عن إعمال لغة العنف إلى مبدأ الانفتاح والحوار، سبيلا للتغيير، وطلب التمكين.

نتعلم من سيدي الكاظم: تربية أجيالنا على حب أجداده الصحابة، ومعرفة حق آبائه القرابة.. والتمسك بسنة المختار، ونهج آله الأطهار، وهدي أصحابه الأخيار...

هذا هو موسى بن جعفر الكاظم.. فهل من مستمسك به، مقتد بسيرته، عامل بهديه، مستن برأيه...؟؟

__________________________________

(١) سورة آل عمران: ١٣٤.

(٢) سورة النور: ٢٢.

(٣) البخاري: ٢٦٦١. مسلم: ٥٦/٢٧٧٠.

(٤) سير أعلام النبلاء: ٦/٢٧٠.

(٥) تهذيب التهذيب: ١٠/٣٤٠.

(٦) شذرات الذهب: ١/٣٠٤، ٣٠٥.

(٧) تاريخ بغداد: ١٣/٢٧.

(٨) منهاج السنة: ٤/٥٧.

(٩) ميزان الاعتدال: ٤/٢٠٢.

(١٠) البداية والنهاية: ١٠/٦١٣.

(١١) تاريخ بغداد: ١٣/٢٨.

(١٢) سير أعلام النبلاء: ٦/٢٧١، وقال: "حكاية منقطعة".

(١٣) المرجع نفسه.

(١٤) ابن الطقطقي الحسني، الأصيلي في أنساب الطالبيين: ص١٤٩. ابن عنبة الحسيني، عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، ص١٧٦.

(١٥) تاريخ بغداد: ١٣/٣١.  البداية والنهاية: ١٠/٦١٣.

(١٦) تاريخ ابن خلدون: ٤/١١٥.

(١٧) سورة محمد: ٢٢.

(١٨) تاريخ بغداد: ١٣/٣٠. وفيات الأعيان: ٥/٣٠٨. صفوة الصفوة: ٢/١٨٥.




من أرشيف الموقع

حدث في 31 آذار / مارس

حدث في 31 آذار / مارس

مسجد الصديق (الشمعون)

مسجد الصديق (الشمعون)

ريتا عاكوم... تُناشد معالي الوزير

ريتا عاكوم... تُناشد معالي الوزير

حدث في 28 شباط / فبراير

حدث في 28 شباط / فبراير

حمام الورد

حمام الورد