بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا -  التحديث بفضل معاوية من الحديث 2 / 3

الشيخ محمد فؤاد ضاهر / خاص موقع بوابة صيدا

 تأخر معاوية في إعلان إسلامه، وبالتالي لم تطل صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فشهد معه بعض المشاهد.

بيد أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة وثلاثة وستين حديثا (١)، اتفق له الشيخان على أربعة أحاديث، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. ما يدل على اهتمام بالغ من جانبه بالسنة ونشرها.

قال ابن سيرين: "كان معاوية لا يتهم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" (٢).

واللافت، أنه لم يكن مجرد راو، بل كان فقيها؛ يجتهد في النصوص ويستنبط منها الأحكام الشرعية، حتى شهد له بالفقه ابن عباس (٣)، وحسبك بها شهادة من حبر الأمة وترجمان القرآن.

إن قصر المدة التي عاشها معاوية في كنف النبي صلى الله عليه وسلم، وقلة الابتلاءات التي تعرض لها في الإسلام... حالت دون بلوغه في الفضل منزلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

مع ذلك، فقد ثبتت عن رسول الله صلى عليه وسلم - في فضله - باقة من الرياحين التي صدحت بها حنجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونطقت بها شفتاه الكريمتان، فأضافت له من الشرف والخير ما عز به، وإن قعدت به أعماله مقارنة بمن تقدمه.

بعض هذه الأحاديث، وإن لم تسلم من كلام النقاد، إلا أن لها طرقا تتقوى بمجموعها، كما هو الشأن في غيرها كثير من الروايات، بحسب "علم أصول الحديث".

وهذا يدل على موضوعية أهل الحديث، وأنه لا محاباة لأحد في صنعتهم، على ما سيأتي بيانه في المقالة الختامية.

لذلك، انتقد ابن عساكر وغيره، ما ذهب إليه إسحاق بن راهويه من أنه "لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية بن أبي سفيان شيء" (٤)، وعقبوا عليه بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، وفوق كل ذي علم عليم، وكم ترك الأول للآخر !

وهاك ما صح من الأحاديث في فضله:

١- قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم، علم معاوية الكتاب والحساب، وقه العذاب" (٥).

روي من حديث العرباض بن سارية، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبي عميرة، ومسلمة بن مخلد. ومرسل شريح بن عبيد، ومرسل حريز بن عثمان.

والحديث صححه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن عساكر، والذهبي. وأطال النفس في تخريجه الشيخ الألباني رحمه الله، وأجاب عما أعل به ببحث علمي موثق.

٢- وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم، اجعله هاديا مهديا، واهده، واهد به" (٦).

روي من حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة رضي الله عنه.

والحديث حسنه الترمذي، والجوزقاني (٧).

وضعفه الحافظ ابن عبد البر بنفيه الصحبة عن راويه (٨) !

فتعقبه ابن فتحون، ورده الحافظ ابن حجر أحسن الرد متعجبا منه، وساق لابن أبي عميرة عدة أحاديث مصرحا فيها بالسماع من النبي صلى الله عليه وسلم (٩).

وجزم بصحبته أبو حاتم، وابن السكن وغيرهما.

إلا أن ابن حجر أعله بالاضطراب !

فدفعه الشيخ الألباني رحمه الله ببحث حديثي نقدي، أودعه "السلسلة الصحيحة"، وصححه لذاته، ثم قال: "وهذه الطرق تزيده قوة على قوة".

٣- ومرة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في أثره، فقيل: إنه يأكل! فقال في الثالثة: "لا أشبع الله بطنه" (١٠). فما شبع بعدها !

قد يظن بعض الناس لدى الوهلة الأولى أن في هذا الخبر منقصة من معاوية ومثلبة له! لكن يتبدد هذا الوهم مع شيء من التأمل والتبصر، حيث إن معاوية قد انتفع بهذه الدعوة في دنياه وأخراه:

أ) أما في دنياه، فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: "والله، ما أشبع، وإنما أعيا" (١١).

قال المؤرخ ابن كثير: "وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها الملوك" (١٢).

ب) وأما في الآخرة، فمن وجهين:

الأول: خرج هذا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم كالوقاية لمعاوية، حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة، لقوله: " إن أكثرهم شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة" (١٣).

غير أن الحافظ الذهبي ضعف هذا التخريج، قائلا: "التأويل ركيك" (١٤)، ورجح الذي يليه.

الثاني: ما تضمنه رجاء النبي صلى الله عليه وسلم من ربه بقوله: " اللهم، إنما أنا بشر، فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوت عليه، وليس لذلك أهلا، فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة" (١٥).

فكان من فقه الإمام مسلم، وحسن ترتيب "صحيحه"، أن أعقب هذا الحديث بالذي قبله، فركب منهما فضيلة ظاهرة لمعاوية (١٦). فصار دعاء له لا عليه (١٧).

ومن نافلة القول أن نذكر بأن معاوية هو: خال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، وأول من غزا البحر مع الجند الصادقين...

يا ترى، إن لم تثبت الأحاديث السابقة في فضل معاوية، فهل له فضل..؟!

___________________________________

(١) أسماء الصحابة الرواة ص: ٥٥. سير أعلام النبلاء ٣: ١٦٢.

 (٢) أبو داود: ٤١٢٩، وصححه الألباني.

(٣) البخاري: ٣٧٦٤.

 (٤) تاريخ دمشق ١٦: ٦٨٢- ٦٨٣.

 (٥) أحمد: ١٧٢٠٢. ابن خزيمة: ١٩٣٨. ابن حبان: ٢٢٨٧، وغيرهم. وصححه الألباني بشواهده في الصحيحة: ٣٢٢٧.

 (٦) التاريخ الكبير: ٤/١/٣٢٧. الترمذي: ٣٨٤٢. ابن عساكر: ٢/١٣٣، و١٦/٢٤٣، وصححه الألباني لطرقه في الصحيحة: ١٩٦٩.

 (٧) الأباطيل ص: ١٠٦.

 (٨) الاستيعاب ٢: ٣٨٦- ترجمته.

 (٩) الإصابة ٤: ٢٨٨- ترجمته.

 (١٠) مسلم: ٢٦٠٤.

(١١) البداية والنهاية: ٤/٨/٥١٤.

 (١٢) المصدر نفسه.

 (١٣) الترمذي: ٢٤٧٨. ابن ماجه: ٣٣٥٠، .

 (١٤) سير أعلام النبلاء ٣: ١٢٤.

(١٥) مسلم: ٢٦٠٠- ٢٦٠٢.

 (١٦) البداية والنهاية.

 (١٧) شرح صحيح مسلم: ٨/١٦/١٥٦.




من أرشيف الموقع

حارة المادنة

حارة المادنة

الحلاق المدلل.... صيدا القديمة

الحلاق المدلل.... صيدا القديمة

حدث في 1 تموز / يوليو

حدث في 1 تموز / يوليو