بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - علي متكلماً... أيهما أهدى.. البصر أم البصيرة؟

مقاربة/ الشيخ محمد فؤاد ضاهر / موقع بوابة صيدا

يقول الله تبارك وتعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج:٤٦].

فهل العمى عمى العيون؟ أم أن العمى عمى القلوب التي في الصدور؟!

نلحظ من خلال الآية الكريمة أنها تذهب باتجاه الخيار الثاني، لعلة أن مناط التكليف في الإنسان إنما هو: (العقل). لذلك قد يكون المرء كفيفا لا يرى الأشياء عيانا، بيد أن لديه من نور البصيرة وتوقد القوة المدركة ما ليس عند الأصحاء...!

من هذه الآية الكريمة يقتبس الحكيم الفيلسوف المتكلم النظار علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ما نسب إليه من مقولة حكمية جاء فيها:

"ليست الرؤية مع الإبصار، فقد تكذب العيون أهلها، ولا يغش العقل من استنصحه" (١).

أليست هي حكمة اتخذت من الواقع منطلقا لها، وتنبئ عن خبرات وتجارب، وتكشف عن ممارسات متراكمة، ولدت إشعاعا ونورا في بصيرة هذا الرجل؟

بلى، فليست (الرؤية) الصحيحة الداعية إلى السكينة والطمأنينة، تلك التي تبصرها العيون باطراد، كما أن العلم ليس نتاج ما يدل عليه المحسوس على وجه القطع على امتداد... لما قد يشوبها من الظنون والأوهام والترداد... إلخ.

بل (الرؤية) الحقة ما تكشف عنه العقول، لأن (بصر العقل) هو الذي لا يكذب ناصحه.

إنها مفاضلة دقيقة بين (المعقولات) و(المحسوسات)، في أيهما يثلج الصدر بنور مبين، ويقطع الشك باليقين. قام بها فحل من فحول صناعة علم الكلام، ليطلعنا على حقيقة قد تغيب عن الأذهان، ويسجل لنا بعد ذلك أهمية العقل في الاستنباط، وأنه أداة عظيمة للربط بين النص والواقع والاجتهاد.

قال أحد الحكماء في تعليله تفضيل المعقول على المحسوس: "لأن حكم الحس في مظنة الغلط، وطال ما كذب الحس واعتقدنا بطريقه اعتقادات باطلة "(٢).

هذه حال من ضل عن جادة الصواب، وحاد عن قصد السبيل، على حد تعبير القرآن الكريم: {والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا...} الآية [النور: ٣٩].

وإلا فإن كلا من (المحسوسات) و(البديهيات) يكملان بعضهما، ولا مناص من الاعتراف بهما جميعا. فما تجود به قرائح العقول المبنية على القواعد والأصول، والمستندة إلى مقدمات عقلية ونقلية هي: (اليقينيات).

قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله: "لما كان السمع والبصر شبكتي جملة من العلوم؛ قرنهما الله تعالى بالفؤاد في كتابه في مواضع " (٣).

وإنما يتطرق الغلط إليها لعوارض ذاتية وأخرى خارجية، فمن الأول؛ كتطرق الغلط إلى الأبصار لضعف في العين نفسها. ومن الثاني؛ لبعد أو قرب مفرط. أو لعلة في المرئي نفسه؛ كأن يكون فيه خفاء، أو ليس من شأن العين المجردة أن تراه...

يقول علي رضي الله عنه: "ليست الروية كالمعاينة مع الإبصار" (٤).

يعلق الشيخ محمد عبده في "شرحه" فيقول: "(الروية): إعمال العقل في طلب الصواب. وهي أهدى إليه من المعاينة بالبصر؛ فإن البصر قد يكذب صاحبه، فيريه العظيم البعيد صغيرا، وقد يريه المستقيم معوجا كما في الماء. أما العقل فلا يغش من طلب نصيحته".

نسأل الله تعالى أن يرزقنا من العقل ما نميز به بين الحق والباطل، وأن يمتعنا بأبصارنا ما يرفع عنا بها الغشاوة.

____________________________________

 (١) "نهج البلاغة- نسخة ابن أبي الحديد"، ٤: ٣٤٦.

(٢) "شرح نهج البلاغة"، ٤: ٣٤٦.

(٣) "المستصفى"، ١: ١٤٣.

(٤) "نهج البلاغة- نسحة محمد عبده"، ٣: ٢٢١.




من أرشيف الموقع

من يحمي صيدا الرومانيّة؟

من يحمي صيدا الرومانيّة؟

مناجاة عمر بن عبد العزيز

مناجاة عمر بن عبد العزيز