بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - علي أصوليا... (٢) / مجالات الإفادة من علم الأصول لدى علي بن أبي طالب

بحث/ محمد فؤاد ضاهر / موقع بوابة صيدا

اتصف الإمام المجتهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمدارك عقلية متقدمة، وتحلى بمواهب فطرية وأخرى مكتسبة، أصقلت شخصيته الفقهية، وجعلت منه محط نظر النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده.

وحيث إن من المعلوم بداهة: حاجة الفقيه إلى المناهج الأصولية، وإعوازه إلى المسالك التعليلية، لاستثمار المصادر التشريعية الأصيلة والثانوية والاستثنائية، بغية استنباط أحكام الله في أفعال المكلفين.

وحيث إن من المسلم به: تحلي الرعيل الأول بهذه المناهج واضطلاعهم بها؛ جبلة وسليقة، ثم صنعة وأداة، وإن لم يصرحوا بها تصريح من تلاهم من أهل الفن.

فما مجالات الإفادة من أصول الفقه لدى الإمام علي؟

وما انعكاساتها على مسائله وأحكامه؟

تشكل وظيفة الأصولي النواة الأولى واللبنة الأساس التي يعتمد عليها كل من المفتي والقاضي، في استنطاق ما أثبت الأصولي حجيته من المصادر، والتطبيق على ما أصله من القواعد الشرعية والدلالات اللغوية في عملية الاجتهاد، لإعطاء الثمرة الزاهية لطالبيها والراغبين في الحصول عليها، بعد طول صبر وأناة.

من هنا تبدو أهمية ما تميز به عمل الأصولي جلية في تقدمه على غيره، وأنه يمثل حجر الزاوية في التكييف الاجتهادي للمسائل الفقهية.

عرف علي بنبوغه في هذا المجال، حتى بدا إلى جانب كونه مفتيا من الطراز الأول؛ يوقع الفتاوى، وقاضيا؛ يصدر الأحكام... أصوليا نحريرا، استطاع أن يوظف هذه القواعد والمبادئ في مجالات متعددة، دعت إليها الحاجة الماسة في الدعوة إلى الله بمختلف مجالاتها، وتنوع أساليبها.

وبالأخص في تلك الحقبة التي عاشها، تحت وطأة الاجتهاد المطلق غير المدون، والنزاعات السياسية، وفي ظل انفتاح العلوم على بعضها، وتلاقح الحضارات، مع نقل حاضرة الخلافة الإسلامية إلى العراق.

هكذا شأن العالم إذا قبض بزمام هذا الفن، فإنه يحسن استخدامه والإفادة منه في غير ما موقع، ومن خلال حضوره الدائم بين يدي أمته، ووقوفه على ما يحتاجون إليه مما يصلح معاشهم وأخراهم.

لذلك استطاع أن يوجد الحكم الشرعي، للحوادث المتجددة مع مر الزمان وتقدم العمران.

إنها طبيعة العنصر الإنساني، الذي لا يتمالك نفسه أن يقف عاجزا، عن إيجاد الحلول اللازمة للنوازل الطارئة، فكيف بمن هو في سدة الصدارة وقد طوق عنقه بواجب النصح للرعية؟!

فاق علي أقرانه في الوقوف على علل الشرائع، وبلوغ مصالح التكاليف الإلهية، وحسن بيانها للناس بألطف عبارة وأوضح إشارة.

فضلا عما تملكه من الأسلوب الدعوي رفيع المستوى، الذي استطاع من خلاله أن يثبت نجاحات فائقة، لاقت إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم به وتقديره، حتى اختاره من بين صفوف إخوانه، لحمل هذا الدين وإبلاغه لعموم الناس، على تنوع مفاهيمهم الثقافية آنذاك... إذا ما أخفق واحد من الصحابة في المهمة الموكلة إليه.

وكذا أحسن توظيف هذا العلم في معالجة النصوص القرآنية وتفسيرها، واستخراج لطائفها اللغوية، وحكمها ومقاصدها.

ولا أدل على ذلك من التركة التي خلفها للأجيال الصاعدة، في تفسير الكتاب المجيد، وتلك التي تناقلتها الأمم المتعاقبة بالأسانيد.

ذلك أن أصول الفقه يكشف عن دلالات الألفاظ، ويشرح كيفية دلالتها على الحكم؛ إن بالمنطوق، أو المفهوم، أو بعبارة النص أو إشارته...

وهذا ما يكشف السر في كون كثير من المفسرين لكتاب الله تعالى هم من الأصوليين.

واستفاد من هذه الصنعة في ما هو معروف اليوم "بالإعلام المسموع"، لجهة نقل الأخبار، والتأكد من صحة الروايات؛ باستحلاف المبلغين... وتمييز صحيحها من سقيمها، وآلية العمل بها عند تعارضها، وطريقة الترجيح في ما بينها، وضرورة معرفة الناس لجهة طباعهم، وأعرافهم، ومستوياتهم، وتبليغهم على قدر استيعابهم واستعدادهم العقلي.

هذه هي طبيعة علم أصول الفقه، فإنه يبين المناهج القويمة والأسس السليمة للفقيه، كي يطرقها بعزيمة وثبات.

وبفضله يستطيع الداعية أن يدعو إلى الله على قواعد متينة تقنع الآخرين.

فما العوامل التي أصقلت مواهبه؟ وساهمت بنضوجه العقلي المبكر؟




من أرشيف الموقع

حدث في 18 أيار / مايو

حدث في 18 أيار / مايو

إني على الموعد

إني على الموعد