بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - أهل الجنان عند الصادق اﻹمام

بقلم الشيخ محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

عن حنان بن سدير، سمعت جعفر بن محمد، وسئل عن أبي بكر وعمر، فقال: "إنك تسألني عن رجلين.. قد أكلا من ثمار الجنة!".

ما فتئت أتأمل هذا الأثر، أتفحصه وأمعن النظر فيه، وأقلب جنباته.. فتأخذني الدهشة، ويعلوني اﻹعجاب، وأمضي معه طويلاً سارحا باستغراب، في كل مفردة من مفرداته، ثم في تركيبه اللغوي وحسن بيانه ودﻻﻻته وأبعاده.. حتى رأيتني أعيش مع قائله، أخال نفسي أسمعه مشافهة من فيهه، وأنا إلى جانبه أجلس بالقرب منه، أختلف إليه، وأرتشف من صفوه.

أن يسأل اﻹمام الصادق عليه السلام مسألة في الشرع أو الكون، فهذا أمر بدهي، وتأتي الإجابة عليها مصقولة بالعلم، مقرونة بالدليل.. لكن أن يسأل عن مثل أبي بكر وعمر، فكأني به يتثاقل من هكذا سؤال عن هكذا رجال، حيث يجد نفسه أمام مسؤولية شرعية وأدبية تحتاج إلى تجلية الحقيقة بكل شفافية ووضوح، وبالغوص إلى أعماقها ﻻ باﻻكتفاء بالسطوح، بحرص إمام مؤتمن نصوح، فكيف للشمس أن ﻻ يراها البصير، وإن سلب البصر منه فأين البصيرة ﴿أَم عَلى قُلوبٍ أَقفالُها﴾ [محمد: ٢٤]؟

فماذا تراه يفعل..؟!

لقد اختار من بين اﻹجابات الناجعة أبعدها، ومن الملزمة أفحمها، ومن الحسنة أجملها، ليترك بها في روع السائل بصمة صادمة، تحرك كوامن الفطرة، وتثير أصول الفكرة، من جذوة القلوب المستبصرة. وإﻻ كانت لوما تعود به على نفسه، ويواخذ بها ضميره، أن تجرأ على مقام الكبار.. فليس مثل الشيخين يسأل عنهما!

مستخدما تصويرا بيانيا بلفظة جمالية ورسمة فنية، تحمل من جلالة المعنى وجزالة المبنى، ما يوقعها على النفس وقع الطل على اﻷرض العطشى، فتستجيب لها القلوب، وتستجيش لها المشاعر، وتطرب لها اﻵذان، وتنسجم معها النفس، ويتوارثها جيل بعد جيل، تربى على الطيبة والسماحة، والبذل والصدق واﻹيمان.. ولسان حال المرء يردد مع آي القرآن ﴿قُضِيَ الأَمرُ الَّذي فيهِ تَستَفتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١].

وترد اﻹجابة بكل عفوية منسابة بإحسان، عليها مسحة من إجلال ونور وإيمان، توقظ الوسنان، وتحرك الضمير الغافل في الجنان، تعصف باﻷذهان، وتشعل الروح في اﻹنسان، فيتلقفها السائل سريعا، ويبقى يتفكر فيها دهرا مديدا، تجول في خاطره، تعاوده الفينة بعد الفينة، وهي تلقي بظﻻلها على عقله وقلبه وروحه ووجدانه، حتى يتصاغر رويدا رويدا أمام هذا الجيل وأمام هذه القامات الشامخة، فيمتلئ فؤاده، وتتضلع أركانه.. معرفة بهم، وحبا لهم، وشوقا إليهم.

هي دفء العاطفة في تدفقها نحو اﻹحساس بالانتماء إلى هذا الدين وهذه اﻷمة، في وحدة عرفانية وتجليات روحانية، تستجلي المعارف اﻹمامية على منائر الحكمة الولية، في محراب النفس المطمئنة العلية ﴿يا لَيتَ قَومي يَعلَمونَ﴾ [يس: ٢٦]... إنه حفيد الدوحة الزكية وخﻻصة اﻷسرة الصديقية.




من أرشيف الموقع

7 اسباب لشعورك بالبرودة

7 اسباب لشعورك بالبرودة