بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - ومضة في سياسة القضاء عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأبعادها الوحدوية...     

مشاركة/ الشيخ محمد فؤاد ضاهر / خاص موقع بوابة صيدا

تميزت أقضية الإمام المجتهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنبوغ الفكري والفقه الحضاري الممتاز، الذي تجلى فيه الإسلام الذي تبناه علي في اجتهاداته؛ كقاض في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ووزير صدق ومسشار مؤتمن في عهد إخوانه الخلفاء الراشدين من قبله، وكإمام للمسلمين في ظله الوارف.

ذلك ما استشرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شخص علي منذ حداثة سنه، فبعثه قاضيا إلى اليمن (١).

ثم احتل دور المرجع الأعلى في القضاء إبان خلافة الثلاثة الراشدين، حيث كان له سلطة فوق سلطة الخليفة.

فلما استلم الخلافة وأصبح أمير المؤمنين، كان في نيته أن يدخل بعض التعديلات في أسلوب القضاء، ويقوم ببعض الإجراءات في أصول المحاكمات، بما يتناسب والتطورات الجديدة التي طرأت على المجتمع الحديث.

منعه من إحداث التغيير والتعديل: انشغاله بحرب البغاة والخوارج، وحفظ وحدة الكلمة، ورأب صدع المسلمين... وإليه يشير "بالمداحض"، التي كان يؤمل استواء قدميه منها (٢).

فأرجأ ذلك حتى تستقر له الأمور؛ مخافة أن تزداد سوءا، وتأتي بما لا تحمد عقباه.

لذا قال لقضاته: " اقضوا كما كنتم تقضون؛ فإني أكره الاختلاف، حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي" (٣).

إن إبقاء أمير المؤمنين علي على أسلوب القضاء، وامتناعه عن إجراء أي تعديل، هو بحد ذاته (معقول المعنى)، لما أعرب عنه بصريح العبارة من درء الفتنة، والمحافظة على الجماعة.

وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد اجتهاد قابل للتعديل من مجتهد لآخر، بحسب المعطيات لدى كل واحد. والأمر فيه سعة، والكل على بينة من الحق وبرهان.

يشعر هذا الموقف – بقوة - أن خلافة الأئمة قبله، وطرائقهم في القضاء - من المنظور العلوي- صحيحة سليمة من أي نقض؛ بقرينة أنه أبقى الأمر على ما هو عليه، ولم يحدث تغييرا، والإمام -كما في بعض الثقافات - لا يجوز في حقه السكوت عن أي خطأ في الحكم أو التصور، والأمر إليه لا ينازعه فيه أحد!

حيث إنه بعد أن ولي الخلافة، عقب مقتل الشهيد عثمان، " ما غير حكما من أحكام أبي بكر وعمر وعثمان، ولا أبطل عهدا من عهودهم" (٤). ومن ثم اشتهر عنه قوله: "ما كنت لأحل عقدة شدها عمر" (٥).

قال عبد خير - وهو معدود في أصحاب علي، من كبارهم-: " لو كان علي طاعنا على عمر يوما من الدهر؛ لطعن عليه يوم أتاه أهل نجران". في قصة ورد في آخرها خطاب علي إياهم:

" والله، لا أرد شيئا مما صنعه عمر. إن عمر كان رشيد الأمر" (٦). وفي لفظ: " ويحكم، إن عمر كان رشيد الأمر، ولن أرد قضاء قضى به عمر" (٧)

ما يدل على عظيم منزلة عمر عند علي، وسلامة طويته له، ومعرفته لقدره وفقهه. قال الأعمش: " فكانوا يقولون: لو كان في نفسه عليه شيء؛ لاغتنم هذا " (٨).

هذا ما أوصى به أمير المؤمنين عامله على مصر الأشتر النخعي، بقانون عرض فيه فكره الأصولي في القضاء، حيث نهاه فيه عن إبطال أحكام الخلفاء الراشدين، لئلا يكون عليه الوزر بما نقض، والأجر لأولئك بما أسسوا، يقول:

"ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية. ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن؛ فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها " (٩).

لذلك، كان علي في ما يحاول أن يحكم به بين الناس مجتهدا، يجوز لغيره من المجتهدين مخالفته، حسب ما انتهى إليه علم.

من هذا المنطلق، تلمح جيدا أن سياسة علي الحكيمة، تميزت بعدم نقض الأحكام السابقة - وإن كان له رأي فيها - ما لم تخالف نصا، أو تفوت مصلحة راجحة.

لقد كان علي بسياسته القضائية أحد، دعائم الوحدة بين المسلمين، ولم يكن في يوم من الأيام معلما للتفرقة وشق عصا الأمة.

استطاع من خلال منهجه القضائي ذي الأبعاد المقاصدية، أن يوازن بين المصالح والمفاسد، فيتبع نظم من سبقه، طالما أن الجميع أصدر أحكامه بناء على الرأي والاجتهاد، و "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد".

وفي عدوله عن إجراء أي تغيير في نظام الحكم ومنهاج القضاء، ومواصلته العمل بسيرة المتقدمين من الخلفاء، والحكم بمسالك الأئمة السابقين... تضييق لدائرة الخلاف، وتقليل لبوادر النزاع، فلا يفسح في المجال أمام المغرضين من التشويش على المسلمين، وزرع إسفين الطعن واللمز بإخوانه السابقين، وفيه إبراز لمعاني الوحدة والوئام بين أفراد المجتمع الواحد.

وبالتالي، صحح خلافة من سبقه، وأمضى الأحكام التي صدرت عنهم، بل سار في ضوئها حتى لقي الله وهو عنه راض...

نسأل الله الذي جمع بين سلف هذه الأمة على البر والتقوى، أن يحقن دماءنا ويحفظ أعراضنا ويؤالف بين قلوبنا... إنه بكل جميل كفيل وبالإجابة جدير.

____________________________________

(1) أحمد: ٦٣٦. أبو داود: ٣٥٨٢. الترمذي: ١٣٣١. ابن ماجه: ٢٣١٠. الحاكم: ٤٦٥٨.

(2) نهج البلاغة ٣: ٢١٩.

(3) صحيح البخاري: ٣٧٠٧.

(4) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٤: ١٦٢.

(5) الأموال ص: ٤٨. مصنف ابن أبي شيبة: ٣٢٠٠٥. الشريعة ٣: ٢٧.

(6) الخراج ص: ٧٤. سنن البيهقي الكبرى: ٢٠١٦٣.

(7) الأموال ص: ٤٨. الشريعة ٣: ٢٦.

(8) الأموال ص: ٤٨.

(9) نهج البلاغة ٣: ٩٩.




من أرشيف الموقع

خيّاط من مدينة صيدا القديمة

خيّاط من مدينة صيدا القديمة