بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - عَوَامِلُ صَنَعَتْ شَخْصِيَّةَ عَلِيٍّ المِثَالِيَّةَ

كتب الشيخ محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

لما بويع عليٌّ بالخلافة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خزيمةُ بن ثابت:

إذا نحن بايعنا عليًّا فحسبُنا * أبو حسنٍ ممَّا نخاف من الفتنْ

وجدناه أولى الناس بالناس أنه * أطبُّ قريشًا بالكتاب وبالسُّننْ

وإنَّ قريشًا ما تشقُّ غبارَه * إذا ما جرى يومًا على الضُّمر البُدنْ

وفيه الذي فيهم من الخير كلِّه * وما فيهم كل الذي فيه من حَسَنْ

تتجلَّى أهمية هذه الشهادة في كونها صادرة عن واحد من كبار الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

وخزيمة هذا هو ذاك الصحابي الجليل الذي جعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة عدلين، ممَّا يُعَدُّ قرينةً إضافية دالَّة على عظمة ذلك الجيل الذي ازدان بالفضل والمناقبية الخُلقية والدرجة العلمية العالية، وامتاز بالمعرفة الواسعة بخواصِّ ما انفرد به آحادُ رجالات الإسلام الأوائل الذين قام الدِّينُ على سواعدهم.

فترانا نتساءل ونحن نقرأ هذه الأبيات الأدبية الراقية على بحر الطويل، مما رواه الحاكم في المستدرك وابن حجر في الإصابة، عن أهمِّ صفات التميُّز التي أسهمت في صناعة علي، ونبحث عن أخص عوامل البناء الفكري والتكوين النفسي التي أصقلت شخصية علي المثالية، حتى استأهل أن يكون أوَّلَ من صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم، وصهره على ابنته سيدة نساء العالمين، و واحدًا من العشرة المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين!

لعلي شخصية كريزماوية مغناطيسية، استطاع بما تحلَّى به من صفات اﻹنسان، أن يستحوذ على انتباه مَن حولَه من موافقين أو مخالفين له بالرأي والاجتهاد، حتى تربَّع على عرش قلوبهم وعقولهم وأذواقهم، فلم يسعهم إﻻ اﻻعتراف له بالفضل والرجوع إليه للفصل.

بدأت امتيازاته بالظهور منذ سنيِّ حياته اﻷولى، ثم أخذت تشقُّ طريقَها نحو الكمال شيئًا فشيئًا، حتى غدا جَنَّةً وارفة الظلال، يستظلُّ في فيء وﻻيتها، ويتهجَّد في منبر معرفتها، وينهل من صِدق حِكمتها، كبارُ الصحابة وعظماء القادة والمفكرين والحكماء و الفلاسفة والسياسيين والمنظرين والفقهاء واﻷصوليين والقضاة والمفتين.

أوَّلُ ما يطالعنا في سيرة أبي الحسن ما ورثه عن أسرته و سلالته من المفاخر العِرقية واﻻجتماعية، وما امتازت به من خصائص وأعراف وتراث خُلقي ونفسي.

فإنه غير خافٍ ما للدم و السلالة  - لدى اﻷسر المحافظة على أنسابها وأصالتها - من التأثير في أخلاق اﻷجيال ومواهبهم وطاقاتهم، عن طريق القِيم والمُثُل الخُلقية واﻻجتماعية، وحكايات اﻵباء وعظماء اﻷسرة، في البطولة والفتوة والفروسية والشهامة واﻷنفة واﻹباء، التي تناقلتها اﻷجيال من سِنٍّ مُبكِّرة إلى سنِّ الشباب والكهولة، وما تتركه من تداعيات في التكوين العقلي والوجداني والعاطفي والبنيوي.

وقد كان لعلي من ذلك أوفر حظٍّ وأرجح نصيب؛ فأبوه: أبو طالب. وجده: عبد المطلب. وأسرته: بنو هاشم. وقبيلته: قريش.

ويوم أراد أبو طالب أن يفخر بعشيرته، قال:

إذا اجتمعت يومًا قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها

فإن حصلت أشرافُ عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يومًا فإن محمدًا * هو المصطفى من سرها وكريمها

ثم كان ﻻسمه - الذي اختارته له أمُّه - أبلغُ الدور في صقل شخصيته الفروسية والعسكرية والجهادية، المتَّصفة بالشجاعة والبسالة واﻹقدام والنجدة والشهامة والمروءة، حتى تطبَّع باسمه وتماهى معه.

فاسمعه وهو يرتجز يوم خيبر بقوله:

أنا الذي سمَّتني أمي حيدره * كليث غابات كريه المنظره

ثم كان من أفضال نِعَم الله عليه أن نشأ في بيت النبوة ومحضن الرسالة، مما عُدَّ سببًا وجيهًا في قولبته بتلك الشخصية والروح التي نعرفها، فضلاً عما اكتسبه تاليًا من معترك الحياة. فأدَّبه وربَّاه الذي أدَّبه ربُّه، وحفظه وكلأه ورعاه الذي كان خلقه القرآن.

تعلَّم علي في بيت النبي صلى الله عليه وسلم التوحيد واﻻتباع، وتربَّى على السمع والطاعة. فعشعش حبُّ الله وحب رسوله في قلبه، وظهرت مصاديقه في حركاته وتصرفاته، فأحبَّه اللهُ وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى شهد بهذا الحبِّ الحبيبُ صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، فقال: "ﻷعطينَّ هذه الراية غدًا رجلاً يفتح الله على يديه، يحبُّ اللهَ ورسوله، ويحبُّه اللهُ ورسوله".

فأيُّ طراز كان من الرجال حتى يحظى عليٌّ بهذا الاختصاص من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم؟!

ثم جاء اختيارُ النبي صلى الله عليه وسلم لحيدرة كي يبيت في فراشه ساعةَ خروجه من بيته - ليلةَ الهجرة - أدلَّ دليل على معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بمقادير الرِّجال من جهة، وبرهن من جهة ثانية على ثقافة عليٍّ الراسخة المتجذِّرة في معاني الفداء والتضحية والمحافظة على رأس الدعوة وأثر ذلك في الرسالة، وهو يعلم إمكانية أن تطيح قريش برأسه انتقامًا وتشفِّيًا من محمد صلى الله عليه وسلم!

وما فتئت عناية السماء ترعاه، حتى إذا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لديه الاستعدادَ للوﻻية والقضاء، أرسله إلى اليمن السعيد قاضيًا وهو في ربيع شبابه!

ولم يكن عليٌّ لتسحره الدنيا بمناصبها ومناظرها، بل أعرب بكل براءة عن هواجسه تُجاه هذه المسؤولية الجديدة التي ﻻ سابق خبرة له بها، فقال: "يا رسول الله، تبعثني إلى قوم أسن مني، وأنا حدث ﻻ أبصر القضاء!". فوضع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره ودعا له: "اللهم ثبِّت لسانه واهد قلبه". قال علي: "فما اختلف (أشكل) عليَّ قضاءٌ بعدُ".

إنَّ اكتساب عليٍّ لمهارة اﻹفتاء وتفنُّنه في القضاء بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته، ثم بالخِبرة العملية في مجاﻻت الشريعة كلها؛ عبادات ومعاملات وحدود وجنايات... جعله محطَّ أنظار الصحابة، وتأكَّد قبلُ بإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لهم إليه.

لقد نتج عن هذه المخايل العلوية والصفات الحكيمة مواقف سجَّلها التاريخ لعليٍّ عربونَ استحقاق على صدقه ووفائه ونبله ومحامده. وشهد له بالعلم والفقه والتقدُّم في مجال الإفتاء والاجتهاد والقضاء غيرُ واحد من الصحابة. ويكفي عودُهم إليه، والاستنارة برأيه دونَ أيِّ ضغينة.

ما يعتبر عن حقٍّ وجدارة شهادة صدق وإيمان بعلي بن أبي طالب، مصداقَ ما نما إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في قوله -كما في صحيح مسلم من حديث زر بن حبيش، عنه-: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إليَّ: أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق".

ويبقى الإيمان بعلي الإنسان؛ الرحمة والإحسان، هو العنوان الدال على صفات الكمال ومحاسن الرجال، في دعوة جادة إلى الاحتذاء بهذه العوامل لصناعة الأجيال.




من أرشيف الموقع

 حدث في 17 آب / أغسطس

 حدث في 17 آب / أغسطس

حدث في 10 آذار / مارس

حدث في 10 آذار / مارس