بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا -  آفَاقُ الحُرِّيَّةِ تَتَبَدَّى بَيْنَ عَاشُورَاءَيْنِ

كتب الدكتور محمد فؤاد ضاهر / بوابة صيدا

عاش عمرُ بن الخطاب في أوحال الجاهلية، وخبرها عن كثب وممارسة، فأدرك خطورتها. ثم بعد أنْ طفق يستظل بفيء الإسلام، ويتنقَّل في هرم الإحسان، يتحسَّس حفاوة الإيمان وهو يلامس جِلدَه وبشَرته، ويتجذَّر في روحه ونبضات قلبه، ويُداخِل نفْسه وجوارحه؛ وجدتُه ينطق بنور من النُّبوَّة، ويتكلَّم بإلهام من العرفان والولاية.

ممَّا حفظته للأجيال القادمة كتبُ الحديث وأسفار التاريخ حكمةً رائدة، يكشف فيها عمرُ عمَّا انصهر في قالَبه العِلميِّ والمعرفيِّ والوجدانيِّ من تألُّهٍ وَلَوِيٍّ، وبُعد نفسي،ٍّ وعُمق تحليليٍّ، ومنهج اجتماعيٍّ، وهو يصحب من تجربته مع الجاهلية وتعمُّقه فيها ترياقًا للأمَّة، في تحذير وتنويه، ألاَّ تنساقَ وراء الأغرار، فيقول بلسان الحَذِر المترقِّب، والمسؤول المتخوِّف:

"قد علمتُ - وربِّ الكعبة - متى تهلِك العربُ. حين يسوس أمرَهم مَن لم يعالِجْ أمرَ الجاهلية، فيأخذ بأحلامهم ولم يصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقيِّده الورع".

فهاتان قضيتان:

الأولى: عدم المعايشة العَملية لشجون الجاهلية وخباياها وأمراضها وآثارها.

والثانية: عدم صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والنهل من معين الوحي والنبوة، والإفادة من معاصرته صلى الله عليه وسلم والتعلُّم من النظر إليه وسماعه. (ينظر مقالة لي بعنوان: لِتَعْرِفَ مَنْ أنْتَ اعْرِفْ أبْطَالَكَ)

وإنَّ هذا الذي حذَّر منه أميرُ المؤمنين هو ما حصل في واقعة كربلاء، حين ساس القومَ ناسٌ ما أدركوا الجاهليةَ الأولى، بيد أنهم مارسوها، وخرجوا بفِعلتهم عن حدود الدِّين والخُلُق والعقل، حين حاصروا ابنَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد سيديِّ شباب أهل الجنة وريحانتيه من الدنيا، فراسلوه ثم غدروا به ومعه أهل بيته وذريته!

أولئك قوم ما صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عرفوا فضل الصُّحبة ولا شرف القرابة، فخانوا الله وخانوا رسوله صلى الله عليه وسلم ونقضوا سيرة السابقين من الخلفاء الراشدين!

وكأنِّي أستمع إلى الصِّدِّيق أبي بكر وهو يخطب في الناس يعظهم ويوجِّههم: "ارقُبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته"، يعني: راعوا وصيته في أهل بيته.

ويقول مخاطبًا الزهراء البتول فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم: "واللهِ، لأن أصلَ قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ إليَّ مِن أن أصل قرابتي".

فأين ذهب أولئك من هذه الوصية الصدِّيقية؟!

ثم ألم يقفوا على قول الفاروق لابنه عبد الله وقد تعجَّب الأخير من تفضيل الأمير للحسنين عليه في الأعطيَّة ولابن عمر سابقةٌ في الإسلام والهجرة! فقال: "ويحك يا عبدَ الله، ائتني بجَدٍّ مثل جدهما، وأب مثل أبيهما، وأمٍّ مثل أمهما، وجدة مثل جدتهما"؟

أمَا سمعوا قولَ أبي حفص للحسين بن علي وقد أرسل وراءه، فجاءه ولم يدخل عليه: "ما منعك يا حسينُ أنْ تأتيني؟". قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني عبدُ الله بن عمر أنه لم يؤذن له عليك فرجعت. فقال له عمر : "وأنت عندي مثله؟! وأنت عندي مثله؟! وهل أنبت الشعرَ على الرأس غيرُكم؟!"؟

فما أصدقَ حِكمتَك يا ابن الخطَّاب! وما أعمقَ بلاغتَك! وكأنِّي بك تنظر من الغيب بستر رقيق، قد عرفتَ ما سيصيب الأمَّة مِن بعدك. وبمَن؟ بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاءه يومًا عمُّه العباسُ يشتكي إليه أنَّ بعض قريشٍ يجفو بني هاشم! فقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي".

إنَّ الذي جرى على ضفاف الفرات - رغم كونه خاضعًا لإرادة السماء فهو نافذٌ حتمًا على النَّحو الذي أنبأ به الرسول صلى الله عليه وسلم - فإنه - لا محالة - جريمةٌ إنسانية، ومروق من الدين. ومهما حاولنا التخفيف من وقع الحدث وآلامه يبقى فاجعةً كبرى تُضاف إلى سلسلة المؤامرات السابقة التي طالت رموز العدل والإصلاح في الإسلام.

وإنَّنا إذ نشير إلى هذه الحادثة الأليمة، فإنَّنا نبتغي بذلك استلهام الدروس والعبر منها، لا أن تكون خزَّان وَقود موقَّت يكاد أن ينفجر!

الحسين بن علي صحابيٌّ نبيل وفقيه مجتهد جليل يمثِّل خطًّا في الأمَّة، كلَّما اقترب منه الإنسانُ كلَّما استنهض من عزيمته، وأبى الظلم والضيم في رعيَّته، واستشعر مجدَه وحريَّته، وعمل لاستجماع أفراد أمَّته، وهو يردِّد على الدوام مقولةَ أبي عبد الله الشهيرة، تلك الممزوجة بالعزَّة والإباء والعنفوان والثبات: "لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاءَ الذليل، ولا أقرُّ لكم إقرارَ العبيد".

"لقد استشهد الحسين في عاشوراء ليُعلِن أنَّ المحيطَ الذي كان فيه هو محيطٌ فرعوني! فمَن تدبَّر الحدثَ الأوَّل رأى أنَّ الله عز وجل قد نجَّى المؤمنين من الفرعونيين. وفي عاشوراء نجَّى اللهُ سيِّدَنا الحسين من وسْط الخائنين والطغاة الجائرين.

فكان عاشوراء لأبي عبد الله يومَ نجاةٍ من الخيانة والظلم والجور والطغيان، نجَّاه ربُّه من زمرة الخائنين على يد الظالمين الجائرين".

هكذا يختار ابنُ بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون حرًّا بنهجه التصحيحيِّ في أمَّة جدِّه رسول الله صلى الله عليه وسلم للعودة بالخلافة إلى سيرتها الأولى، رفضًا لمفهوم الإرث والتوارث، في خطوة تثبيتية لإرساء نظام الشورى في الإسلام.

يختار أن يكون حرًّا في اليوم الذي نجَّى اللهُ فيه مَن فضَّلهم في زمانهم على العالمين، في إشارة ربَّانية منه إلى أنَّ الأفضلية في هذه الأمة تُكتسب أيضًا من خلال العمل، وأنَّ ذروة سنام العمل هو الجهاد في سبيل الله. وأن الأمة التي تحيد عن الجهاد - بأنواعه كلِّها - لا حياة لها إلا في أوحال الذلِّ والهوان، وكهوف الجهالة والظلام.

وإنَّ عقيدتنا في أهل بيت نبيِّنا صلى الله عليه وسلم نمارسها عمليًّا، ومِن خلال خطبنا ومحاضراتنا وأقوالنا وتصرُّفاتنا، نعمل لصالح مجتمعاتنا ودولتنا ووطننا وأمَّتنا. نحذِّر من الفُرقة والانقسام، وندعو إلى رفع أسباب الاستفزاز والحساسيات والخلاف، لاستيعاب الجميع تحت مِظلَّة الوطن، وأنْ نحفظ العمران وحرمة بني الإنسان.

نعم، نتوجَّع لفقد الحسين وأهل بيته، ونستبشر بشهادتهم، كما نتطلَّع إلى إنشاء مجتمعٍ قائم على معاني النهضة الحسينية، لبناء جيل من الشباب المثقَّف والواعي المتبع لسبيل المؤمنين الأوائل.




من أرشيف الموقع

سقوط حلب بيد التتار..

سقوط حلب بيد التتار..

محجبات.. قبل الثورات وبعدها!

محجبات.. قبل الثورات وبعدها!

رباط بيرام جاويش في القدس

رباط بيرام جاويش في القدس

ماذا تعرف عن تلة المُريق في صيدا؟

ماذا تعرف عن تلة المُريق في صيدا؟