بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - إبلاغ أولي الفضل والنهى بتاريخ أبي الحسن علي بن موسى الرضا

إعداد الشيخ محمد فؤاد ضاهر / موقع بوابة صيدا

يعتبر الإمام علي بن موسى الرضا من أنبه أهل البيت وعقلائهم، وأجلة الهاشميين ونبهائهم (١). جمع الله له بين العلم والفضل مع شرف النسب، فهو هاشمي علوي مدني.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨): "إن له من المحاسن والمكارم المعروفة، والممادح المناسبة لحاله، اللائقة به، ما يعرفه بها أهل المعرفة" (٢).

أحله المأمون محل مهجته، وأشركه في مملكته، وفوض إليه أمر خلافته (٣).

ولما عوتب أبو نواس (ت١٩٨) في الإعراض عن مدحه، قال معتذرا (٤):

قيل لي: أنت أحسن الناس طرا ** في فنون من الكلام النبيه

لك من جيد القريض مديح ** يثمر الدر في يدي مجتبيه

فعلام تركت مدح ابن موسى ** والخصال التي تجمعن فيه

قلت: لا أستطيع مدح إمام ** كان جبريل خادما لأبيه

ولد الإمام بالمدينة سنة (١٤٨) عام وفاة جده. وتوفي سنة (٢٠٣) كهلا فجأة، فاغتم المأمون لموته، ودفنه عند قبر أبيه الرشيد (ت١٩٣) (٥).

كان عالما دينا نبيها، وسيدا عظيما لبيبا، أفتى أيام الإمام مالك بن أنس (ت١٧٩)، وهو ابن نيف وعشرين سنة، في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (٦).

أخذ عنه العلم والرواية عدد من أهل الفضل الثقات الأثبات؛ كآدم بن أبي إياس (ت٢٢٠) وهو أسن من الرضا. والإمام المبجل أحمد بن حنبل (ت٢٤١). ومحمد بن رافع (ت٢٤٥).

بل نهل منه الخلفاء والأمراء، فروى عنه أمير المؤمنين المأمون، والأمير خالد بن أحمد الذهلي (ت٢٦٩) (٧).

عرف أبو الحسن الرضا بعبادته وتقواه، واشتهر عنه زهده وورعه، وبان عليه تألهه وعرفانه، وكان إذا خلا بربه في موسم الحج، سمع بعرفة يناجيه: "اللهم، كما سترت علي ما أعلم؛ فاغفر لي ما تعلم. وكما وسعني علمك؛ فليسعني عفوك. وكما أكرمتني بمعرفتك؛ فاشفعها بمغفرتك، يا ذا الجلال والإكرام" (٨).

أدرك الرضا أن الدنيا ظل زائل وعرض مائل، فانسلخ منها وأقبل على الآخرة، وأنشد (٩):

كلنا يأمل مدا في الأجل ** والمنايا هن آفات الأمل

لا تغرنك أباطيل المنى ** والزم القصد ودع عنك العلل

إنما الدنيا كظل زائل ** حل فيها راكب ثم ارتحل

عرف السيد الرضا فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم غنائهم في الدين، وما لهم من المزية، فتكنى بأبي بكر (١٠).

وسمى إحدى بناته: عائشة (١١).

ولم العجب والاستغراب؟ وأبو بكر: جده، وعائشة: خالته.

إن التسمية في الجاهلية والإسلام لم تكن يوما عن طريق الصدفة أو العادة، بل هي انعكاس سلوك وثقافة. وقد جاء الإسلام وبعث النبي صلى الله عليه وسلم فغير أسماء لم يرضها، وأرشد الآباء إلى حسن اختيار الأسماء، حتى إذا نادى الوالد باسم ابنه تذكر أحبابه ممن سمى بأسمائهم، وأخذ المسمى الجديد من شخصية المسمى به القديم، وانطبع بأخلاقه وسلوكه.

بلغ أبو الحسن من الفطنة والذكاء، وسرعة البديهة وحسن الجواب المكانة العظيمة. حتى استدعاه خليفة المسلمين أبو العباس المأمون أن يفد إليه من خراسان. فلما جاءه، بالغ في إكرامه، والحفاوة به، والإحسان إليه، لما شهد من حاله، وسمع من روائع مقاله.

وقد سأله المأمون يوما: ما يقول بنو أبيك في جدنا العباس بن عبد المطلب (ت٣٢)؟

فقال: "ما يقولون في رجل فرض الله طاعة بنيه على خلقه، وفرض طاعته على بنيه؟!" (١٢).

فظن المأمون أن الضمير في "طاعته" عائد إلى العباس، فأمر له بألف ألف درهم!!

لقد بلغ من إكرام خليفة المسلمين له، وتعظيمه إياه: أن زوجه من ابنته أم حبيب (١٣). وزوج ابنه محمدا الجواد (ت٢٢٠) من ابنته أم الفضل (١٤).

شهد الأئمة من أهل البيت بمنزلة بني عمومتهم من بني العباس، ووقف هؤلاء على فضل آل النبي وشرفهم، فهم أمير المؤمنين أن ينزل عن الحكم لأبي الحسن الرضا لما أدرك من مقامه وشهد كراماته، قال الذهبي (ت٧٤٨): "وقد كان علي الرضا كبير الشأن، أهلا للخلافة" (١٥).

بيد أن ذا النفس الأبية، سليل العترة النبوية أبى عليه ذلك. فجعله المأمون ولي عهده، وكتب في ذلك كتابا سنة (٢٠١)، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وسماه: الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم. وأمر باعتماد اللون الأخضر سمت أهل البيت (١٦).

إنها صفحة بيضاء مشرقة من تاريخ هؤلاء العظام، تجليها لنا الأسماء والمصاهرات. وتدعونا للتأسي بهم والاقتداء بهديهم. وتحثنا على معاودة قراءة التاريخ بإنصاف بعيدا عن المغالاة والإجحاف.

كان من مواقفه الحكيمة الدالة على شجاعته الباسلة، وسلكه درب الأئمة قبله: أن أخاه زيدا (ت٢٥٠) خرج بالبصرة على المأمون، وقتل وعسف!

فنفذ إليه الخليفة علي بن موسى ليرده. فسار إليه، ومما زجره ووعظه به وذكره أن قال له: "ويلك، يا زيد! فعلت بالمسلمين ما فعلت، وتزعم أنك ابن فاطمة؟! والله، لأشد الناس عليك: رسول الله صلى الله عليه وسلم. ينبغي لمن أخذ برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطي به".

فلما بلغ المأمون قوله هذا في أخيه؛ بكى وقال: "هكذا ينبغي أن يكون أهل بيت النبوة، هكذا" (١٧).

يذكر صنيع الإمام هذا بما قام به جده الحسن المجتبى (ت٥٠) حين أكرمه المولى وأعانه ومكنه من غمد سيف لو شهر وصلت لأكل الأخضر واليابس. وقد تحققت فيه نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (١٨).

وهذا ما حصل غداة تنازل الحسن بن علي عن الحكم لصالح أمير الشام معاوية (ت٦٠).

إن التمسك بحبل أهل البيت، واقتفاء أثرهم من شأنه أن يومض للأمة طريق نجاتها، وسبل خلاصها من طوقها الخانق، والآخذ بشريان حياتها.

وبعد:

إن الأمة تتوسم بالنسل النبوي الطاهر، الذين يدينون القتل، ويرفضون الدمار، ويشجبون التشريد، ويحظرون الحروب... ويوصون بحقن دماء المسلمين، ويحضون على وحدة الكلمة، وجمع شمل الأمة...

نسأل الله أن يحفظ المسلمين، ويحقن دماءهم، ويرفع عن الأمة البلاء وتسلط الأعداء.

__________________________________

(١) ابن حبان، الثقات: ٨/٤٥٦.

(٢) ابن تيمية، منهاج السنة: ٤/٦٠.

(٣) الهيتمي، الصواعق المحرقة: ٢/٥٩٣.

(٤) وفيات الأعيان: ٣/٢٧٠.

(٥) تاريخ الطبري: ٨/٥٦٨.

(٦) الخطيب، تاريخ بغداد: ١٩/١٣٥.

(٧) الذهبي، سير أعلام النبلاء: ٩/٣٨٨.

(٨) الخطيب البغدادي، المرجع نفسه.

(٩) ابن كثير، البداية والنهاية: ١٠/٢٥٠.

(١٠) النوري الطبرسي، النجم الثاقب. أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: ص٤٥٣-٤٥٤.

(١١) ابن الخشاب، مواليد أهل البيت. محمد تقي التستري، تواريخ النبي والآل: ص١٢٨. الإربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة: ٢/٢٦٧.

(١٢) وفيات الأعيان: ٣/٢٧١.

(١٣) التستري، تاريخ النبي والآل: ص١١١. عباس القمي، منتهى الآمال: ٢/٣٧٣.

(١٤) الحائري، تراجم أعلام النساء: ص٢٤٩. هاشم معروف الحسيني، سيرة الأئمة الاثني عشر: ص٤٠٤-٤٠٥.

(١٥) سير أعلام النبلاء: ٩/٣٩٢.

(١٦) تاريخ الطبري: ٨/٥٥٤. تاريخ بغداد: ١٩/١٤٠.

(١٧) وفيات الأعيان: ٣/٢٧١.

(١٨) صحيح البخاري: ٢٧٠٤.




من أرشيف الموقع

حسن بدوي البساط (الشاكرية)

حسن بدوي البساط (الشاكرية)

حدث في 31 كانون الثاني / يناير

حدث في 31 كانون الثاني / يناير

مسجد الحسين

مسجد الحسين

زيارة أولى لسوق المدينة

زيارة أولى لسوق المدينة

يوسف اسكندر الحاج

يوسف اسكندر الحاج