بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الزواج العرفي وحكمه (3) [44]

بقلم الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

المطلب السادس: في تسجيل العقود.

تعريف التوثيق:

عرف رجال القضاء المعاصرون الوثيقة الرسمية بأنها: "التي تصدر من موظف مختص بمقتضى وظيفته بإصدارها". [الزواج العرفي، حامد الشريف، ص49].

لم تشترط الشريعة الاسلامية أن يجري عقد الزواج على يد قاض أو عالم، ويستطيع العاقدان إجراء العقد بنفسيهما من غير احتياج الى وسيط يقوم بإجرائه، ويكفي في انعقاده النطق بالإيجاب والقبول مشافهة بحضور شاهدين، ولم يكن يطالب المسلمون بتسجيل عقد الزواج، كل ما طلبته الشريعة الإشهاد عليه، واستحبت اعلانه وإشهاره. [أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة، عمر الأشقر، ص174].

قال ابن تيمية: "وَلَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص34].

فابتدأت كتابة العقود عندما بدأ المسلمون يؤخرون المهر شيئاً فشيئاً منه، وأصبحت هذه الوثائق التي يدون فيها مؤخر الصداق أحياناً وثيقة لاثبات الزواج. [أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة، عمر الأشقر، ص174].

وقال ابن تيمية: "وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ يَكْتُبُونَ "صَدَاقَاتٍ" لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَزَوَّجُونَ عَلَى مُؤَخَّرٍ، بَلْ يُعَجِّلُونَ الْمَهْرَ وَإِنْ أَخَّرُوهُ فَهُوَ مَعْرُوفٌ، فَلَمَّا صَارَ النَّاسُ يَتَزَوَّجُونَ عَلَى الْمُؤَخَّرِ وَالْمُدَّةُ تَطُولُ وَيُنْسَى: صَارُوا يَكْتُبُونَ الْمُؤَخَّرَ وَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً فِي إثْبَاتِ الصَّدَاقِ، وَفِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص131].

تاريخ التوثيق:

وتوثيق المعاملات وتنظيم هذا التوثيق، وإن كان مما له شأن في سياق التشريع الإسلامي، فقد سبقتنا إليه على أي وجه من الوجوه شرائع قديمة، وأخذت تلك الشرائع منه بنصيب، كما اهتدت إليه بفطرها أمم غابرة ولم تكن تصدر في أمرها عن دين سماوي. [ينظر: بين الشريعة والقانون نظرات في توثيق المعاملات المالية، عبد اللطيف السبكي، هدية مجلة الأزهر، شهر جمادى الأولى1431هـ، ص84].

ولو رجعنا الى القرآن الكريم لوجدنا أن التوثيق كان قبل الإسلام، ومأخوذاً به في عصور مختلفة.

فهذه قصة يعقوب عليه السلام مع أولاده حينما رغبوا إليه أن يرسل معهم أخاهم بنيامين الى مصر، وهو يخشى عليه ما وقع لابنه يوسف، فيتردد في الاستجابة لهم وهو يلحون عليه حتى يلين لهم الجانب، ويقول: { قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف الآية 66]. وأراد عليه السلام أن يحلفوا له بالله تعالى وإنما جعل الحلف به سبحانه موثقاً منه لأنه مما تؤكد العهود به وتشدد. [ينظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الآلوسي، ج7، ص14].

وقد نشأ عن عدم تسجيل عقود الزواج مشكلات كثيرة لا يخلو كتاب من كتب الفقه من الإشارة اليها والحديث عنها. [أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة، عمر الأشقر، ص174، والواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني، عمر الأشقر، ص154].

وقد تكلم المتأخرون من أهل العلم في مسألة التوثيق، وأنقل هنا كلام بعضهم:

  1. قال الشيخ محمود شلتوت: "السِّرُّ في اشتراط القانون توثيق عقد الزواج: ظلَّ الأمر كذلك بين المسلمين من مبدأ التشريع إلى أن رَأَى أولياءُ الأمر أن ميزان الإيمان في كثير من القلوب قد خفَّ، وأن الضمير الإيماني في بعض الناس قد ذبُل، فوجد مَن يَدَّعِي الزوجية زُورًا، ويعتمد في إثباتها على شهادة شهودٍ هم من جنس المدعي، لا يتَّقون الله ولا يرعون الحقَّ، فما تشعر المرأة إلا وهي زوجة لمُزَوِّرٍ، أراد إلباسها قَهْرًا ثوب الزوجية وإخراجها من خِدْرها إلى بيته تحقيقًا لشهوته، أو كيْدًا لها ولأسرتها! كما وجد مَن أنكره تَخَلُّصًا من حقوق الزوجية، أو التماسًا للحرية في التزوُّج بمَن يشاء، ويعجز الطرف الآخر عن إثباته أمام القضاء، وبذلك لا تصل الزوجة إلى حقِّها في النفقة، لا يصل الزوج إلى حقه في الطاعة، وقد يضيع نسب الأولاد، ويلتصق بهم وبأُمِّهم العار فوق حِرمانهم حقوقهم فيما تركه الوالدان، وقد رأَى المُشرِّع المصري - حفظًا للأُسَرِ، وصَوْنًا للحياة الزوجية، والأعراض من هذا التلاعُب - أن دعاوى الزوجية لا تُسمع إلا إذا كانت الزوجية ثابتةً بورقةٍ رسميةٍ, وبذلك التشريع صار الذين يُقدمون على الزواج العُرفي، ويَلْحقُهم شيءٌ من آثاره السيئة، هم وحدهم الذين يتحملون تبِعات ما يتعرضون له من هذه الآثار، كما يتحملون إثْم ضياع الأنساب للأولاد وحِرمانهم عند الإنكار، وهم وهم المسئولون عن تصرُّفاتهم أمام الله، وأمام الناس". [الفتاوى، محمود شلتوت، ص234].
  2. وقال الشيخ محمد أبو زهرة: "الزواج من غير وثيقة ما دام قد توافر فيه حضور الشاهدين والإعلان بالزفاف العلني بأي طريقة من طرقه، فهو عقد شرعي ولا يعد سرياً، وإن كان غير موثق، والتوثيق ليس ركناً من أركان العقد ولا شرطاً من شروط صحته، ولكن لا بد منه لاثبات الزواج عند الاختلاف بين الزوجين والورثة". [فتاوى الشيخ محمد أبو زهرة، محمد عثمان شبير، 465].
  3. وقال الشيخ حسام عفانة: "وأرى أن تسجيل عقد الزواج في المحاكم الشرعية واجب شرعاً فيجب كتابة عقد الزواج خطياً وتسجيله في المحاكم الشرعية ولا يُكتفى بالإيجاب والقبول الشفويين كما أنه لا يكتفى بكتابة ورقة ولو كان ذلك بحضور الولي والشهود لأن في كتابة عقد الزواج وتسجيله في المحاكم الشرعية تحقيق لمصالح عظيمة للناس وفيه محافظة على حقوق المتزوجين وتسجيل الزواج بوثيقة رسمية يجب من باب سد الذرائع المؤدية للفساد بضياع الحقوق ولما في التسجيل من إثبات للزوجية القائمة بين الزوجين، وثبوت نسب الأولاد وحفاظاً على بناء الأسرة في المجتمع المسلم على أساس سليم وقوي وقواعد الشرع العامة توجب التسجيل... .

وخلاصة الأمر أنه يجب شرعاً تسجيل الزواج بوثيقة رسمية ومن لم يفعل ذلك فهو آثم وإن كان العقد صحيحاً تترتب عليه آثاره الشرعية ولا ينبغي لأحد أن يشجع على الزواج العرفي لما يترتب عليه من مفاسد وضياع لحقوق الزوجة والأولاد. وأنصح الآباء أن لا يزوجوا بناتهم زواجاً عرفياً وأن يحرصوا أشد الحرص على الزواج الصحيح الموثق بوثيقة رسمية ومسجل في المحاكم الشرعية. [يسالونك، حسام عفانة، ج10، ص443 وما بعدها].

حكمة مشروعية التوثيق:

أولاً: صيانة الحقوق المتبادلة بين الزوجين كحق المرأة في السكنى والنفقة، وحقها في مؤخر الصداق، وحق الولد في النسب.

ثانياً: قطع المنازعة، فإن الوثيقة تصير حكماً بين المتعاملين ويرجعان إليها عند المنازعة فتكون سبباً لتسكين الفتنة ولا يجحد أحدهما حق صاحبه.

ثالثاً: التحرز عن عقود النكاح الفاسدة، أو الباطلة فقد يتزوج الرجل المرأة في عدتها وهو لا يدري، أو يتزوجها وهي محرمة عليه حرمة مؤبدة أو حرمة مؤقتة.

رابعاً: رفع الارتياب فقد يتهم الرجل أو تتهم المرأة أنهما يعيشان معاً في الحرام فتكون الوثيقة رافعة للتهمة ومبرأة للعرض، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف السبكي كلاماً حسناً في كتابه بين الشريعة والقانون نظرات في توثيق المعاملات المالية، ص48 وما بعدها فتنظر هناك، [ينظر: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية، رمضان علي السيد الشرنباصي، ص116].




من أرشيف الموقع

حدث في 12 شباط / فبراير

حدث في 12 شباط / فبراير

كسوف كلي للشمس هذا الأسبوع!

كسوف كلي للشمس هذا الأسبوع!

حدث في 19 تموز / يوليو

حدث في 19 تموز / يوليو