بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - الزواج العرفي وحكمه (1) [42]

بقلم الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا  

فإن من نعمةِ الله تعالى، ورحمته بالخلق، أن خلق لهم من أنفسهم أزواجاً، ليسكنوا إليها، ومن أجل تحقيق هذه النعمة، فقد أوجد سبحانه وتعالى وسيلةً متيسرةً لخلقه يحققون فيها متطلباتهم النفسية والجسدية التي فطرهم عليها، حيث شرع للناس الزواج ليحقق للإنسان الألفة والسكن، وإرضاء الغريزة الفطرية، والحصول على الولد على نحوٍ مشروع. قال عز وجل: { وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم الآية21].

والزواج في الإسلام عقدٌ شرعيٌّ بين رجل وامرأة، خاليين من الموانع الشرعية، وإنما يصح هذا العقد بتوفر شروطه وأركانه وانتفاء موانعه، وشأنه في هذا شأن سائر العقود، التي إذا حصلت مستكملةً لشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها، فإنها عقودٌ صحيحة، تستتبع آثارها وما يترتَّب عليها من أحكام.

وقد حدَّد الإسلام شروطاً وأركاناً لعقد الزواج، وحرَّم أن يتمَّ هذا العقد دون القيام بشروطه وأركانه، وبناءً عليه فلا يحكم لعقد الزواج بالصحة، إلا في نطاق ما شرع الإسلام، وفي حدود ما أمر به، وما سوى ذلك فهو باطل.

وقد اشتهر في هذه الآونة الأخيرة، ما يسمَّى بالزواج العرفي، وانتشر بين الشّباب، وخاصة شباب الجامعات، والذي يتم بعيداً عن الأهل، ودون إعلان!

فالزواج العرفي من المشكلات الخطيرة التي طرحت نفسها بقوة على الساحة وخصوصاً في الآونة الأخيرة بعد أن أصبحت ظاهرة تفشت وعمَّت وطمَّت في فئات المجتمع المختلفة.

ومشكلة الزواج العرفي اقتربت من أن تكون كارثة أخلاقية وتشريعية واجتماعية لما تخلفه من آثار خطيرة على الزوجة باعتبارها الضحية الأولى من هذا الزواج وعلى المجتمع أيضاً، وازداد الإحساس بخطرها عندما تفشت بين طلاب وطالبات الجامعة وكأن الأمر لا شيء فيه.

فلقد كنا نسمع عن هذه المشكلة في أوساط اجتماعية خاصة كرجال الأعمال والفنانين والفنانات ثم بدأت تنتشر انتشار النار في الهشيم بين طلاب وطالبات الجامعة.

فما أسهل أن يتفق الطالب مع زميلته في الكلية على الزواج عرفياً في السر دون علم الأهل ثم يقوما بكتابة ورقة عرفية يوقع عليها شاهدان من زملائهما في الجامعة وبذلك يعتقدان (خطأ) أن زواجهما العرفي أصبح حلالاً شرعاً.

ونظراً لجهل الكثير ممن قَدِموا على هذا الزواج خاصة الشباب المراهق من طلاب وطالبات الجامعة بحقيقة هذا الزواج والحكم الشرعي الصحيح له بسبب ثقافتهم الدينية المتدنية وبسبب اعتمادهم على رأي بعيد عن الصواب مما أوجد لهم مبرراً وتكأة للإقدام على هذا الزواج.

تعريف الزواج العرفي لغة واصطلاحاً:

أولاً: التعريف اللغوي للعرف:

لقد سبق في المدخل تناول تعريف الزواج لغة واصطلاحاً، وأتعرض الآن لمعنى العرفي لغة واصطلاحاً.

فقد ذكر صاحب معجم مقاييس اللغة عدة معان لغوية للعرف نلخصها في ما يلي:

(عرف) العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدلُّ أحدُهما على تتابُع الشيء متَّصلاً بعضُه ببعض، والآخر على السكون والطُّمَأنينة.

فالأوّل: العُرْف: عُرْف الفَرَس. وسمِّي بذلك لتتابُع الشَّعر عليه. ويقال: جاءَت القَطا عُرْفاً عُرْفاً، أي بعضُها خَلْفَ بعض.

الثاني: المعَرِفة والعِرفان. تقول: عَرَف فلانٌ فلاناً عِرفاناً ومَعرِفة. وهذا أمر معروف. وهذا يدلُّ على ما قلناه من سُكونه إليه، لأنَّ مَن أنكر شيئاً توحَّشَ منه ونَبَا عنْه.

الثالث: ومن الباب العَرْف، وهي الرَّائحة الطيِّبة. وهي القياس، لأنَّ النَّفس تسكُن إليها. يقال: ما أطيَبَ عَرْفَه. قال الله تعالى: { وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} أي طيَّبَها. [محمد الآية6].

الرابع: والعُرْف: المعروف، وسمِّي بذلك لأنَّ النفوس تسكُن إليه.

[ينظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، ج4، ص281، ولسان العرب، ابن منظور، ج9، ص236، ومختار الصحاح، الرازي، ص179].

ثانياً: التعريف الشرعي للعرف:

  1. العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبائع بالقبول. [التعريفات، الجرجاني، ص193].
  2. إنَّ مَعْنَى الْعُرْفِ: كُلُّ مَا عَرَفَتْهُ النُّفُوسُ مِمَّا لا تَرُدُّهُ الشَّرِيعَةُ. [ينظر: شرح الكوكب المنير، ابن النجار، ج6، ص448].
  3. ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول، أو فعل أو ترك، ويسمى العادة، ولا فرق بين العرف والعادة في لسان الشرعيين، وهو عملي وقولي، وعام وخاص، وصحيح وفاسد. [ينظر: أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، ص156، وما بعدها، والإجتهاد والعرف، محمد إبراهيم، دار السلام، ط: الأولى، 1430هـ=2009م، ص144، وما بعدها].

وممكن أن نعرفه بما يلي: هو كل ما استقرت عليه النفوس وشهدت له العقول، وتقبلته الطبائع مما لا تنكره الشريعة، سواء كان قولاً أم فعلاً أم تقريراً، وسواء كان عاماً أم خاصاً.

تعريف الزواج العرفي:

لقد عرفه الفقهاء بعبارات عدة أذكر منها:

  1. عرفته مجلة البحوث الإسلامية بالتالي: "هو اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية، سواء كان مكتوباً أو غير مكتوب". [ينظر: مجلة البحوث الفقهية، مجلة علمية محكمة في الفقه الإسلامي، العدد(36)، السنة التاسعة، رجب - شعبان - رمضان 1418هـ، نوفمبر - ديسمبر - يناير 97-1998م].
  2. هو عقد مستكمل شروطه الشرعية، إلا أنه لم يوثق، أي بدون وثيقة رسمية كانت أو عرفية. [السياسة الشرعية في الأحوال الشخصية، عبد الفتاح عمرو، ص43].
  3. عقد نكاح بين رجل وامرأة مستكملاً لأركانه وشروطه الشرعية، غير موثق بوثيقة رسمية حكومية. [الزواج العرفي، حقيقته، أحكامه، آثاره، أحمد يوسف الدريويش، ص81].
  4. أن يتم العقد - الإيجاب والقبول - بين الرجل والمرأة مباشرة مع حضور شاهدين، ودونما حاجة الى أن يجري بحضور المأذون الشرعي أو من يمثل القاضي أو الجهات الدينية. [نظام الأسرة في الإسلام، محمد عقلة، ج1، ص323].
  5. يطلق الزواج العرفي على الزواج الذي لم يوثق بوثيقة رسمية. [الزواج العرفي المشكلة والحل، عبد رب النبي الجارحي، القاهرة، دار الروضة، ص38].
  6. الزواج الذي استوفى شروطه الشرعية دون أن يوثق رسمياً. وقد أطلق عليه العامة بالزواج العرفي، فهو في نظر الشريعة الإسلامية زواج صحيح ويترتب عليه آثاره الشرعية، يستوي أن يكون الزواج مكتوباً أو غير مكتوب أصلاً. [الزواج العرفي ومنازعات البنوة، كمال صالح البنا، القاهرة، دار الكتب القانونية، د.ط، 2005م، ص6].
  7. أما الزوج السري فهو نوع قديم من الزواج افترضه الفقهاء، وبينوا معناه، وتكلموا في حكمه، وقد أجمعوا على أن منه العقد الذي يتولاه الطرفان دون أن يحضره شهود، ودون أن يعلن، ودون أن يكتب في وثيقة رسمية، ويعش الزوجان في ظله مكتوماً، لا يعرفه أحد من الناس سواهما. وأجمعوا على أنه باطل لفقده شرط الصحة وهو الشهادة، فإذا حضره شهود وأطلقت حريتهما في الإخبار به لم يكن سراً، وكان صحيحاً شرعاً، تترتب عليه أحكامه. أما إذا حضره الشهود وأخذ عليهم العهد بالكتمان، وعدم إشاعته والإخبار به، فقد اختلف الفقهاء في صحته بعد أن أجمعوا على كراهته. [الفتاوى، محمود شلتوت، ص232].
  8. لقد اصطلح إطلاق الزواج العرفي على كل عقد زواج استكمل الأركان والشروط اللازمة شرعاً، سواء وثق بواسطة الكتابة أو لم يوثق بها، إلا أنه في كلا الحالتين لم يوثق لدى الجهات الرسمية. [بحوث وفتاوى إسلامية في قضايا معاصرة، جاد الحق علي جاد الحق، القاهرة، دار الحديث، ج2، ص59].

ما أميل إليه في تعريف العرفي:

وبعد هذه الجملة من أقوال أهل العلم في تعريف الزواج العرفي أميل الى التعريف التالي:

كل عقد زواج لم يوثق لدى الجهات الرسمية المختصة، سواء اكتملت أركانه وشروطه أو اختل أمر منها.

هذا التعريف يشمل كل صور الزواج العرفي، ولا يقتصر على الزواج العرفي المستكمل للأركان والشروط الشرعية، الخالي عن التوثيق الرسمي، وذلك التفاتاً الى التوسع في مصطلح الزواج العرفي في الوقت الحاضر.

في سبب التسمية.

إن تسمية هذا الزواج بالزواج العرفي يدل على أن هذا العقد اكتسب مسماه من كونه عرفاً اعتاد عليه افراد المجتمع المسلم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وما بعد ذلك من مراحل متعاقبة. [ينظر: الزواج العرفي، داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، دراسة فقهية واجتماعية نقدية، عبد الملك يوسف المطلق، ص187].

فلم يكن المسلمون في يوم من الأيام يهتمون بتوثيق الزواج، ولم يكن ذلك يعني إليهم أي حرج، بل اطمأنت نفوسهم إليه، فصار عرفاً عُرف بالشرع وأقرهم عليه ولم يرده في أي وقت من الأوقات. [ينظر: العقد العرفي، ممدوح عزمي، الاسكندرية، دار الفكر الجامعي، د ت ط، ص11، والزواج العرفي، حقيقته، أحكامه، آثاره، أحمد يوسف الدريويش، ص82].

ولذلك قال ابن تيمية: "فَهَذِهِ يُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ بِإِذْنِهَا وَالِابْنُ وَلِيٌّ عِنْدِ الْجُمْهُورَ وَلَا يَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى حَاكِمٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص34].

أما بالنسبة للتوثيق فإن ذلك لا يحدث خللاً في العقد، لأن الفقهاء جميعاً عندما عرفوا عقد الزواج لم يذكروا فيه التوثيق، ولا الكتابة، حتى الفقهاء المحدثون والقضاة، وإن كان التوثيق مهماً جداً في هذه الأيام لضمان الحقوق، ولما شاع بين الناس من فساد الأخلاق وخراب الذمم.

الفرق بينه وبين نكاح السر:

إذا كان النكاح العرفي قد تم بإيجاب وقبول من الزوج، وشهد عليه شاهدان على الأقل، وجرى الإعلان عنه، فهذا زواج شرعي صحيح وإن لم يسجل في الدوائر الرسمية، ولم تصدر به وثيقة رسمية.

فإن صحبته توصية بالكتمان فهو نكاح السر، وإن لم تصحبه توصية بالكتمان فهو زواج عرفي. [الفتاوى، محمود شلتوت، ص234].

قال ابن تيمية: "وَأَمَّا نِكَاحُ السِّرِّ الَّذِي يَتَوَاصَوْنَ بِكِتْمَانِهِ وَلَا يُشْهِدُونَ عَلَيْهِ أَحَدًا: فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ السِّفَاحِ قَالَ اللَّهُ تعالى: { { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} ". [المائدة الآية 5. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج33، ص158]. 

واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر. [بداية المجتهد، ابن رشد، ج2، ص17].

ولو عقد في السر واشترط كتمان النكاح فسد عند مالك. [معين الأمة، السمرقندي، ص127. ينظر: مستجدات فقهية في قضايا الزواج والطلاق، أسامة الأشقر، الأردن، النفائس، ط: الأولى، 1420هـ=2000م، ص137 وما بعدها].

ورد ابن حزم هذا بقوله: "وَقَالَ قَوْمٌ: إذَا اُسْتُكْتِمَ الشَّاهِدَانِ فَهُوَ نِكَاحُ سِرٍّ، وَهُوَ بَاطِلٌ. قال أبو محمد: وَهَذَا خَطَأٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ قَطُّ نَهْيٌ، عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ عَدْلاَنِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ سِرًّا مَا عَلِمَهُ خَمْسَةٌ: النَّاكِحُ، وَالْمُنْكِحُ، وَالْمُنْكَحَةُ، وَالشَّاهِدَانِ قَالَ الشَّاعِرُ:

أَلاَ كُلُّ سِرٍّ جَاوَزَ اثْنَيْنِ شَائِعٌ.

وَقَالَ غَيْرُهُ: السِّرُّ يَكْتُمُهُ الأَثْنَانِ بَيْنَهُمَا... وَكُلُّ سِرٍّ عَدَا الاِثْنَيْنِ مُنْتَشِرُ". [المحلى، ابن حزم، ج9، ص466].

عن هشام بن عروة قال: "كان أبي يقول لا يصلح نكاح السر". [مصنف ابن أبي شيبة, باب ما قالوا في المهر, ح16655, ج4, ص192].

وقال داود بن قيس: سمعت نافعاً - مولى ابن عمر - يقول: "ليس في الإسلام نكاح سر". [مصنف ابن أبي شيبة, باب ما قالوا في المهر, ح16656, ج4, ص192].

وقال الشيخ محمد أبو زهرة في فتاواه: "فالزواج من غير شهود وفي السر زواج باطل بإجماع الفقهاء". [ينظر: مصنف ابن أبي شيبة, باب ما قالوا في المهر, ح16657, ج4, ص192. ينظر: الاستذكار، ابن عبد البر، ج5، ص470].




من أرشيف الموقع

حارة المصبنة في صيدا

حارة المصبنة في صيدا

شخصيات مقدسية: فيضي العلمي..

شخصيات مقدسية: فيضي العلمي..

ضاع العمر بغلطة

ضاع العمر بغلطة