بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - زواج المسلم من الكتابية (2) [32]

الشيخ الدكتور: علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

صفة الكتابية التي ينكحها المسلم عند الشافعية: "وهي ضربان إسرائيلية وغيرها:

الضرب الأول: التي ليست من بني إسرائيل ولها أحوال:

أحدها: أن تكون من قوم يعلم دخولهم في ذلك الدين قبل تحريفه ونسخه فيحل نكاحها على الأظهر، وقيل قطعاً وهؤلاء يقرون بالجزية قطعاً، وفي حل ذبائحهم الخلاف كالمناكحة.

الحال الثاني: أن يكون ممن يعلم دخولهم بعد التحريف وقبل النسخ. فإن تمسكوا بالحق منه وتجنبوا المحرف منه فكالحال الأول، وإن دخلوا في المحرف لم تحل مناكحتهم على المذهب ويقرون بالجزية على الأصح كالمجوس وأولى للشبهة.

الحال الثالث: أن تكون ممن يعلم دخولهم بعد التحريف والنسخ فلا تحل مناكحتهم قطعاً، فالذين تهودوا أو تنصروا بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم لا يناكحون، وفي المتهودين بين نبينا وبين عيسى عليهما السلام وجهان: أصحهما المنع ومن جوز كأنه يزعم أنا لا نعلم كيفية نسخ شريعة عيسى لشريعة موسى صلى الله عليهما وسلم وهل نسخت كلها أو بعضها وهؤلاء لا يقرون بالجزية.

الحال الرابع: أن تكون من قوم لا يعلم متى دخلوا فلا تحل مناكحتهم ويقرون بالجزية وبذلك حكمت الصحابة رضي الله عنهم أنهم في نصارى العرب. هكذا أطلقه عامة الأصحاب من المتقدمين والمتأخرين وفيه شىء لا بد من معرفته...

الضرب الثاني الكتابية الإسرائيلية: والذي ذكره الأصحاب في طرقهم جواز نكاحها على الإطلاق من غير نظر إلى آبائها أدخلوا في ذلك الدين قبل التحريف أم بعده وليس كذلك لأن ليس كل إسرائيلية يلزم دخول آبائها قبل التحريف وإن أشعر به كلام جماعة من الأئمة وذلك أن إسرائيل هو يعقوب عليه السلام وبينه وبين نزول التوراة زمان طويل ولسنا نعلم أدخل كل بني إسرائيل على كثرتهم في زمان موسى عليه السلام أم بعده قبل التحريف بل في القصص ما يدل على استمرار بعضهم على عبادة الأوثان والأديان الفاسدة وبتقدير إستمرار هذا في اليهود فلا يستمر في النصارى لأن بني إسرائيل بعد بعثة عيسى عليه السلام منهم من آمن به ومنهم من صد عنه فأصر على دين موسى، ثم من المصرين من تنصر على تعاقب الزمان قبل التحريف وبعده ولكن كأن الأصحاب اكتفوا بشرف النسب وجعلوه جابراً لنقص دخول الآباء في الدين بعد التحريف حتى فارق حكمهن حكم غير الإسرائيليات إذا دخل آباؤهن بعد التحريف، وأما الدخول فيه بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم فلا تفارق فيه الإسرائيلية غيرها". [روضة الطالبين وعمدة المفتين، النووي، ج7، ص137].

وخلاصة القول: أنه لا يحل من نساء أهل الكتاب إلا من كانت من نسل بني إسرائيل أو قد دخلوا في دين أهل الكتاب قبل نسخه بمجيء الإسلام أو تحريف.

والجواب على كلام الشافعية:

أن هذا التفصيل لا أساس له ولا مستند:

قال الطبري: "فأما قول الذي قال: "عنى بذلك نساء بني إسرائيل، الكتابيّات منهن خاصة" فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه، لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة، من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى". [جامع البيان، الطبري، ج5، ص289].

قال ابن تيمية: "وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُمْ مَنْ كَانَ دَخَلَ جَدُّهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَرَادَ ذَلِكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، بَلْ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَ كِتَابِيٍّ هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِنَسَبِهِ، وَكُلُّ مَنْ تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُولُهُ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّابِتُ عَنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا.

وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيِّ أَنَّ هَذَا إجْمَاعٌ قَدِيمٌ، وَاحْتَجَّ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَنْ لَا يُقَرُّ الرَّجُلُ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ كَمَنْ هُوَ فِي زَمَانِنَا إذَا انْتَقَلَ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَتُنْكَحُ نِسَاؤُهُ، وَهَذَا يُبَيِّنُ خَطَأَ مَنْ يُنَاقِضُ مِنْهُمْ. وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، يَقُولُونَ: مَنْ دَخَلَ هُوَ، أَوْ أَبَوَاهُ، أَوْ جَدُّهُ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أُقِرَّ بِالْجِزْيَةِ، سَوَاءٌ دَخَلَ فِي زَمَانِنَا هَذَا، أَوْ قَبْلَهُ.

وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الْآخَرِ يَقُولُونَ: مَتَى عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ إلَّا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَعَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ". [الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ج1، ص168].

شروط زواج الكتابية:

الشرط الأول: أن تكون محصنة، لقوله تعالى: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة الآية 5].

ووجه الدلالة أن الله تعالى لما أباح لنا نساء أهل الكتاب قيد إباحتهن بوصف وهو الإحصان، حيث يشترط في الكتابية أن تكون محصنة.

وقد اختلف أهل العلم في الاحصان:

"واختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي عناهن الله عز ذكره بقوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [ المائدة الآية 5].

فقال بعضهم: عنى بذلك الحرائر خَاصة، فاجرةً كانت أو عفيفةً. وأجاز قائلو هذه المقالة نكاح الحرة، مؤمنة كانت أو كتابية من اليهود والنصارى، من أيِّ أجناس الناس كانت بعد أن تكون كتابية، فاجرة كانت أو عفيفةً وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يُتَزَوَّجن بكل حال... عن مجاهد: والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب، قال: من الحرائر.

وقال آخرون: إنما عنى الله بقوله: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة الآية5]. العفائفَ من الفريقين، إماءً كنَّ أو حرائر. فأجاز قائلو هذه المقالة نكاحَ إماء أهل الكتاب الدائنات دينَهم بهذه الآية، وحرَّموا البغايا من المؤمنات وأهل الكتاب...

عن عامر: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ}، قال: إحصان اليهودية والنصرانية: أن لا تزني، وأن تغتَسِل من الجنابة. [جامع البيان، الطبري، ج9، ص581 وما بعدها].

قال أبو جعفر: "فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة". [جامع البيان، الطبري، ج9، ص589].

والذي أميل إليه أن المراد بالاحصان هو العفة، وذلك للأدلة التالية:

  1. فالله عز وجل عندما أباح نكاح الإماء المؤمنات قيد ذلك بأن تكون محصنات غير مسافحات لقوله: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ..} [النساء الآية 25]. أي غير زوان أي معلنات بالزنى لأن أهل الجاهلية كان فيهم الزواني في العلانية ولهن رايات منصوبات كراية البيطار { وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} أصدقاء على الفاحشة واحدهم خدن وخدين وهو الذي يخادنك ورجل خدنة إذا اتخذ أخدانا أي أصحابا عن أبي زيد وقيل المسافحة المجاهرة بالزنى أي التي تكري نفسها لذلك وذات الخدن هي التي تزن سراً. [ينظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج5، ص131].
  2. أن الله ذكر الإحصان في جانب الرجل كما ذكره في جانب المرأة فقال: { إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} [المائدة الآية 5]. وهذا إحصان عفة بلا شك، وكذلك الإحصان المذكور في جانب المرأة. [ينظر: أحكام أهل الذمة، ابن القيم، ج2، ص794].
  3. أنه سبحانه ذكر الطيبات من المطاعم والطيبات من المناكح فقال عز وجل: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ..} [المائدة الآية 5]. والزانية خبيثة بنص القرآن. [ينظر: أحكام أهل الذمة، ابن القيم، ج2، ص794].
  4. أن الحرية ليست شرطاً في نكاح المسلمة إنما المعتبر في ذلك العفة، لذلك شنع الله عز وجل على ناكحي الزانيات، حيث قال: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [ النور الآية 3]. وكيف اذا اجتمع الكفر والزنا في امرأة تحت رجل مسلم، وعن شقيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: خلّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن". [ينظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج1، ص309, وقال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح].

الشرط الثاني: الاستيثاق من كونها كتابية تؤمن بدين سماوي الأصل كاليهودية والنصرانية، فهي مؤمنة في الجملة بالله ورسالاته والدار الآخرة، وليست ملحدة أو مرتدة دينها، ولا مؤمنة بدين ليس له نسب معروف الى السماء. [ينظر: فتاوى معاصرة، يوسف القرضاوي، ج1، ص496].

وبلاد الغرب اليوم أمريكا وأوروبا، وإن اصطبغت بالصبغة النصرانية، إلا أننا لا نستطيع أن نعتبرهم جميعاً من أهل الكتاب، لأن الالحاد سرى في شعوبهم بتأثر الفلسفة المادية حتى أتى على كثير من أفرادهم. [ينظر: أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب، سالم الرافعي، ص410، ودفع الشك والارتياب عن تحريم نساء أهل الكتاب، عبد الله الصديق الغماري الحسني، ص10].

الشرط الثالث: أن لا تكون من قوم يعادون الإسلام ويحاربونه، ولهذا فرق جماعة من الفقهاء بين الذمة والحربية، فأباحوا الأولى، ومنعوا الثانية. [ينظر: فتاوى معاصرة، يوسف القرضاوي، ج1، ص498].

الشرط الرابع: أن لا يكون وراء الزواج من الكتابية ضرر محقق أو مرجح، فإن استعمال المباحات كلها مقيد بعد الضرر. [ينظر: فتاوى معاصرة، يوسف القرضاوي، ج1، ص499].




من أرشيف الموقع