بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا -  حكم نكاح الزانية (3) [29]

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

ما تعرف به التائبة:

اختلف العلماء فيما تعرف به توبة الزانية على قولين:

القول الأول: أن توبة الزانية كتوبة غيرها، تكون بالاقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة الى الذنب. [المغني، ابن قدامة، ج7، ص515، والإنصاف، المرداوي، ج8، ص99، ودقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات، البهوتي، ص660].

القول الثاني: "توبة الزانية أن تراود على الزنى فتمتنع على الصحيح من المذهب نص عليه. [الإنصاف، المرداوي، ج8، ص99.وروي عن عمر رضي الله عنهما وابن عباس رضي الله عنهما  ونصره ابن رجب وقدمه في الرعايتين والحاوي الصغير. ينظر: الإنصاف، المرداوي، ج8، ص99].

دليلهم: "وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قيل له كيف تعرف توبتها؟ قال يريدها على ذلك فإن طاوعته فلم تتب وإن أبت فقد تابت فصار أحمد إلى قول ابن عمر اتباعاً له". [المغني، ابن قدامة، ج7، ص515].

ويمكن مناقشة هذين الأثرين أثر ابن عمر وابن عباس:

  1. أننا لا نسلم بصحة هذين الأثرين حيث لم يروهما أحد من كتب السنن أو المسانيد أو المعاجم ولا غيره من الكتب المسندة. وكأن هذين الأثرين لم يصحا عنهما ولا عن غيرهما من الصحابة الكرم.
  2. الآيات والأحاديث الواردة في التوبة فإنها مطلقة غير مقيدة بمثل هذا القيد. [فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، الشوكاني، ج4، ص12].

الراجح: قال ابن قدامة: "والصحيح الأول فإنه لا ينبغي لمسلم أن يدعو امرأة إلى الزنا ويطلبه منها ولأن طلبه ذلك منها إنما يكون في خلوة ولا يحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن فكيف يحل في مراودتها على الزنا؟ ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن تعود إلى المعصية فلا يحل التعرض لمثل هذا، ولأن التوبة من سائر الذنوب وفي حق سائر الناس وبالنسبة إلى سائر الأحكام على غير هذا الوجه فكذلك يكون هذا". [المغني، ابن قدامة، ج7، ص515].

زواج الزانية غير التائبة:

اختلف العلماء في حكم زواج الزانية قبل توبتها على قولين:

القول الأول: أنه يحرم نكاحها قبل توبتها، وهو مذهب الحنابلة، والظاهرية، وبعض المالكية، وابن تيمية.

مذهب الحنابلة: "وتحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها". هذا المذهب مطلقاً وعليه جماهير الأصحاب ونص عليه. وجزم به في الوجيز وغيره وقدمه في الفروع وغيره. وهو من مفردات المذهب". [الإنصاف، المرداوي، ج8، ص99].

وقال ابن قدامة: "وإذا زنت المرأة لم يحل لمن يعلم ذلك نكاحها إلا بشرطين أحدهما: انقضاء عدتها ... والشرط الثاني : أن تتوب من الزنا. [المغنى، ابن قدامة، ج7، ص515].

مذهب الظاهرية: "وَلاَ يَحِلُّ لِلزَّانِيَةِ أَنْ تَنْكِحَ أَحَدًا، لاَ زَانِيًا، وَلاَ عَفِيفًا حَتَّى تَتُوبَ، فَإِذَا تَابَتْ حَلَّ لَهَا الزَّوَاجُ مِنْ عَفِيفٍ حِينَئِذٍ". [المحلى، ابن حزم، ج9، ص474].

مذهب بعض المالكية: "قال ابن يونس قال ابن حبيب لا يجوز نكاح الزانية المجاهرة". [الذخيرة، القرافي، ج4، ص259].

كلام ابن تيمية: "نِكَاحُ الزَّانِيَةِ حَرَامٌ حَتَّى تَتُوبَ سَوَاءٌ كَانَ زَنَى بِهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ. هَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص109].

أدلتهم:

  1. قال تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور الآية3].

"فَإِنْ قِيلَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} قِيلَ: الْمُتَزَوِّجُ بِهَا إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ زَانٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا فَهُوَ كَافِرٌ. فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولَ مِنْ تَحْرِيمِ هَذَا وَفَعَلَهُ فَهُوَ زَانٍ, وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ مُشْرِكٌ". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص116].

قال أبو عمر: "قد يأتي النهي بلفظ الخبر ويكون معناه النهي وذلك موجود في كتاب الله كثير نحو قوله: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} جاء بلفظ الخبر وكان سعيد بن المسيب وغيره يقول إنها منسوخة بقول الله { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } ولو لم يكن عنده في هذا الخبر معنى النهي ما أجاز فيه النسخ". [التمهيد، ابن عبد البر، ج17، ص399].

  1. قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [ المائدة الآية 5].

وجه الدلالة:

الأول: أن الله تعالى حرم على عباده الخبائث من المطاعم والمشارب والمناكح، ولم يبح إلا الطيبات، والمرأة المقيمة على الزنا خبيثة، فالمتزوج بها مع علمه بحالها خبيث مثلها، كما بين الله تعالى في قوله: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور الآية26]. أي الرجال الطيبون للنساء الطيبات، والرجال الخبيثون للنساء الخبيثات، وكذلك في النساء، فإذا كانت المرأة خبيثة كان قرينها خبيثاً، وبهذا عظم القول فيمن قذف أم المؤمنين عائشة ونحوها من أمهات المؤمنين، وقد أبيح للمسلم أن يتزوج كافرة يهودية أو نصرانية إذا كانت محصنة عفيفة، ولم يبح له تزوج زانية مصرة على الزنا، وإن كانت مسلمة، لأن ضرر ذلك يتعدى إليه، وأما الكافرة فضرر دينها لا يتعدى إليه. [ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 32، ص145،146].

 الثاني: أن الله تعالى شرط لحل نكاح المرأة سواء أكانت مسلمة أم كتابية أن تكون عفيفة عن الزنا، فقال: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة الآية 5]. والمحصنات هن العفيفات، فدل ذلك على أن غير العفيفة لا يباح نكاحها، لأن الإباحة قد علقت على شرط الإحصان، والحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه، فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به. [ينظر: أحكام القرآن، الجصاص، ج5، ص109].

  1. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ...} [النساء الآية 25]..

"فَإِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ نِكَاحَ الْإِمَاءِ فِي حَالِ كَوْنِهِنَّ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ. وَالْمُسَافِحَةُ الَّتِي تُسَافِحُ مَعَ كُلِّ أَحَدٍ. وَالْمُتَّخِذَاتُ الْخِدْنَ الَّتِي يَكُونُ لَهَا صَدِيقٌ وَاحِدٌ. فَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ حَالُهَا لَا تُنْكَحُ فَكَيْفَ بِمَنْ لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ, بَلْ تُسَافِحُ مَنْ اتَّفَقَ وَإِذَا كَانَ مَنْ هَذِهِ حَالُهَا فِي الْإِمَاءِ فَكَيْفَ بِالْحَرَائِرِ". [مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص144].

وقال ابن القيم: "فلم يبح لهم نكاح الإماء إلا بأربعة شروط، عدم الطول، وخوف العنت، وإذن سيدها، وأن تكون عفيفة غير فاجرة فجوراً عاماً ولا خاصاً والله أعلم". [اعلام الموقعين، ابن القيم، ج4، ص11].

  1. حديث مرثد الغنوي، فقد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح امرأة مشركة يقال لها عناق، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه شيئاً حتى نزلت: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور الآية 3]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا مرثد، { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور الآية 3] . فلا تنكحها. [الترمذي، باب: ومن سورة النور، ح3177، ج5، ص328، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه].

وقد دل الحديث على تحريم الزانية من وجهين:

الأول: "فيه دليل على أنه لا يحل للرجل أن يتزوج بالزواني ويدل على ذلك الآية المذكورة في الحديث لأن في آخرها وحرم ذلك على المؤمنين، فإنه صريح في التحريم". [تحفة الأحوذي، المباركفوري، ج9، ص18].

الثاني: "وَمِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الْآيَةَ، كُلَّهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي الْوَطْءِ، وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، وَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ مَا يُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَا قَالُوا فِي الْآيَةِ، مِنْ أَنَّ النِّكَاحَ فِيهَا التَّزْوِيجُ، وَأَنَّ الزَّانِيَ لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا زَانِيَةً مِثْلَهُ، فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (الزَّانِي الْمَجْلُودُ لَا يَنْكِحُ إِلَّا مِثْلَهُ) [أبو داود، باب فِى قَوْلِهِ تعالى: { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً} ح 2054، ج2، ص176. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. ينظر: بلوغ المرام من أدلة الأحكام، ابن حجر العسقلاني، ح1007، ص303. أضواء البيان، الشنقيطي، ج5، ص422].

وقد اعترض على هذا الدليل: قال الخطابي: "هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة، فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ". [الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج12، ص168].

وأجيب: أن التخصيص يحتاج الى دليل، ولفظ الآية عام في كل زان وزانية، والمقرر عند أهل الأصول: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول فالقرآن لا يقتصر على محال أسبابه، ولو كان الأمر كما زعموا لبطل الإستدلال بكثير من نصوص الكتاب والسنة على غير من نزلت فيه. [ينظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ابن قيم الجوزية، ج1، ص66].

  1. تحريم نكاح الزانية هو موجب الفطرة ومقتضى العقل، فإن الله تعالى حرم على عبده أن يكون ديوثاً، وفطر الناس على استقباح ذلك واستهجانه، ومن تزوج زانية مصرة على الزنا فهو ديوث. [ينظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج32، ص145].
  2. أن المرأة إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن زوجها أن تفسد عليه فراشه، وتلحق به ولداً من غيره، فيفسد النسب الذي جعله الله تعالى بين الناس لتمام مصالحهم، وعده من جملة نعمه عليه. وقال أحمد استحب للرجل مفارقة امرأته إذا زنت وقال لا أرى أن يمسك مثل هذه وذلك أنه لا يؤمن أن تفسد وتلحق به ولداً ليس منه. [ينظر: المغني، ابن قدامة، ج7، ص518].




من أرشيف الموقع

حدث في 8 شباط / فبراير

حدث في 8 شباط / فبراير

بسمة حبّ

بسمة حبّ