بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مضامين المَثَل الشَّعبي.. مدلوله وأبعاده (3): الجيرة... والتعامل بين الناس والصّحب

 إعداد الدكتور طالب محمود قرة أحمد / خاص بوابة صيدا / مؤلف كتاب: الأمثال الشعبية المتداولة على ألسنة الصيداويين

الجيرة ... والتعامل بين الناس والصّحب:

وفي الأمثال تفصيل لأحوال الجوار والصحب وما ينبغي في تعاملهم وتصرفهم وترك الخلاف معهم، وحسن الظن بهم.

وإذا كان المرءُ بأصغريه، قلبه ولسانه، فقد دعت الأمثال إلى حفظ اللسان، وحذّرت من غوائل زلاَّت اللسان. ودعت إلى الاقتصاد في الكلام والصدق، وكتمان السر.

(لسانك حصانك.. إن صنته صانك، وإن خنته خانك).

(إذا كان الكلام من فضة.. فالسُّكوت من ذهب).

واهتمّت الأمثال برسم الأطر التي ينبغي أن تسود بين الجيران، لأن علاقات الجيرة هي امتداد طبيعي للروابط الأسروية وقد تفوقها في بعض الأحيان.

(جارك القريب ولا أخوك البعيد).

(جارك مثل أخاك.. إن ما شاف وجهك، شاف أفاك)

لأنها تقوم على إنكار الذات وتغليب الجانب الإنساني على الأنا... فالجارُ أقربُ الناس إلى جيرانه، وهو يشاركهم أفراحهم ويُسعفهم في ضائقتهم ويواسيهم ويقف إلى جانبهم في أحزانهم. ومن هذه الأمثال:

(سكّر دارك.. وأمّن جارك).

(إن كان جارك بخير... أنت بخير).

(طلوب الخير لجارك... بتلاقيه بدارك).

وعلى الرغم من ورود بعض الأمثال التي تدعو إلى السلبية في التعامل بين الجيران، فإن ذلك لم يكن أكثر من سحابة صيف لا تلبث أن تنجلي، ولا تمتّ بصلة أساسية إلى طبيعة التّرابط بين الجوار التي تقوم على الوئام والتوادّ والإيثار.

ولما كان المثل يصدر عن أرضية شعبية تعيش حياتها يوماً بيوم وساعة بساعة، فقد كان في مقدور المثل بعد أن تواضع عليه الناس أن يُعبِّر عن مشاعر الناس وأغراضهم وموقفهم من الحياة. وقد صوّر لنا المثل فيما صوّره من أشكال وأساليب التعامل بين الناس، مشاعر الاستعلاء وسلوك الفوقية الذي كان يمارسه بعض المترفين والمتنفذين والمتسلّطين.. الذين كان لا هم لهم إلا استنزاف جهد الآخرين، واغتصاب حقوقهم، وكان يسوؤهم أن يتساوى معهم عامة الناس.

فكانت هذه الأمثال منسجمة مع واقع هذه الفئة، من حيث اتسامها بالسخرية والاستعلاء على الآخرين والحط من قدرهم أو احتقارهم.. والإيحاء للآخرين باليأس والقنوط والاستسلام وبعدم القدرة على مقاربة تلك الفئة أو التشبّه بسلوكها وأساليبها في الحياة.

ونذكر من هذه الأمثال:

(أم روب مطبّع ... صار لها قصر ومربّع).

(طلع من بيت أبو بريص مؤذّن).

(أمك البصل وأبوك الثوم... والحلاوة من أين بدها تكون).

وإذا كانت البيئة الشعبية بسيطة في التفكير، فقد أتت الأمثال الصادرة عنها بسيطة مثلها بعيدة عن اللف والدوران أو الإبهام، لتخاطب الناس بالأسلوب والمنطق الذي يفهمونه والتفكير الذي يقنعون به.

وفي هذا الإطار كانت الأمثال التي تتسم بإسداء النصح أو الانتقاد لإبعاد المرء عن مواطن الزلل أو الإنزلاق.. وترسم له نمط السلوك والمثل والمواقف التي كان عليه أن ينتهجها فتنمي فيه جوانب الخير وتجعله يزدري بل وينأى عن الجوانب الأخرى لخروجها على ما تواضع عليه الوجدان الجمعي.

والأمثال التي تنحو هذا النحو أكثر من أن تُحصى ونذكر منها:

(خبز الرجال عالرجال دين ... وعالأنذال صدقة).

(يللي بدّه يعمل جمّال .. بدّه يعلّي باب داره).

وقد نالت العلاقات الاقتصادية المتمثلة بالعمل والتعاون والمال والتجارة اهتماماً كبيراً في المثل الشعبي، فقد حرصت الأمثال على إعطاء العمل قيمة تتناسب ودوره في تحقيق الرفاه والطمأنينة للفرد والجماعة. لأنّ من يكسب قوته من عرق جبينه خير ممن يعيش عالةً على الآخرين وعبئاً عليهم.. ولأن قيمة المرء بمقدار ما يقوم به من عملٍ يعودُ عليه وعلى الجماعة بالنفع والخير.

فالعمل يعطي المرء إحساساً بالقيمة والمسؤولية والمكانة، قد يتساوى بإحساسه بالحياة نفسها. والعاطل عن العمل تافهٌ خائبٌ ممجوجٌ من نفسه مزريّ من الآخرين...

(أكل ومرعى... وقلة صنعة).

فضلاً عن ذلك فقد أعطت الأمثال المبرزين وأهل الخبرة ومعارفهم ومهاراتهم أهمية ومكانة بل وهدياً للأجيال اللاحقة تسير عليه.

(ضربة المعلم بألف.. ولو شلفها شلف).

(مش كل من صفّ الصواني.. قال أنا حلواني).

ولما كان الإنسان قدرة وطاقة لا تستطيع أن تكون فاعلة تجاه صروف الحياة ما لم تلتق الأيدي وتتعاون على تحقيق الرفاه للجميع، لم تنس الأمثال أن تعكس لنا هذه المشاعر وتصوِّر لنا ذلك السُّلوك:

(إيد فوق إيد.. الخير بيزيد).

فالإنسان اجتماعي بالطبع، (والجنة بلا ناس ما بتنداس) على حدّ قول المثل الشعبي.. وهذه الميزة التي كانت من خصائص إنسانية الإنسان جعلته قادراً على بناء الحضارة في كل مكان وزمان.

وإذا كان المرء لا يحيا بالمال وحده... فإن المال أعطى صاحبه قيمة اجتماعية وجعل فاقده يعيش ذلاًّ اجتماعياً وكانت الأمثال تقوم بدور المسجل الأمين للعلاقات التي يكون المال طرفاً فيها.

فصوَّرت لنا أحوال الناس نفسيّاتهم ومعاناتهم وأوضاعهم كما صوّرت دور المال في إكساب صاحبه المنعة والعزة وانكفاء فاقده وتوجُّهه إلى الله يطلب الستر والعون على الشِّدة قانعاً بما أفاء الله عليه.

(الزنكيل... بيرش عالمخلوطة سكر).

(زيادة الخير... خيرين).

(صاحب المال... تعبان).