بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - حكم نكاح الزانية (1) [27]

بقلم الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

فلقد حرم الله ورسوله الزنا، وبينا قبحه وفساده، وحذرا العباد من الوقوع فيه، ولشناعته فإن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بعدم الوقوع فيه فحسب، بل نهى عن القرب منه فقال سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء الآية32].

والزنا يعتبر من أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل، وهو رجس وفاحشة مهلكة وجريمة موبقة تنفر منها الطبائع السليمة، وهو فساد لا تقف جرائمه عند حد ولا تنتهي آثاره ونتائجه إلى غاية، وهو ضلال في الدين وفساد في الأخلاق، وانتهاك للحرمات والأعراض واستهتار بالشرف والمروءة، وداعية للبغضاء والعداوة.

قال أحد العارفين: الزنا عاره يهدم البيوت الرفيعة ويطاطىء الرؤوس العالية، ويسود الوجوه البيض، ويخرس الألسنة البليغة، ويهوي بأطول الناس أعناقاً وأسماهم مقاماً وأعرقهم عزاً إلى هاوية من الذل والإزدراء والحقارة ليس لها من قرار.

وقال آخر: إن الزاني يحط نفسه من سماء الفضيلة إلى حضيض الرذيلة، ويصبح بمكان من غضب الله ومقته، ويكون عند الخلق ممقوتاً، وفي دنياه مهين الجانب عديم الشرف منحط الكرامة ساقط العدالة، تبعد عنه الخاصة من ذوي المروءة والكرامة والشرف مخافة أن يعديهم ويلوثهم بجربه، ولا تقبل روايته ولا تسمع شهادته، ولا يرغب في مجاورته ولا مصادقته.

إن في الزنا فساد للزاني والزانية، أما فساده للزانية فهي تفسد بهذا العمل حياتها وتخسر شرفها وشرف أهلها وتسيء إلى سمعتها وسمعة أهلها، وتفسد فراش زوجها إن كانت ذات زوج وربما أدخلت عليه أولاداً من الزنا فتغش بهم زوجها وينفق عليهم طوال حياته ويرثونه من بعد موته وينتسبون إليه وهم ليسوا بأولاده إلى غير ذلك مما تفسده المرأة بسبب وقوعها بهذه الفاحشة، وإن كانت المرأة الزانية غير متزوجة فبالإضافة إلى أنها تفسد بهذا العمل حياتها وتخسر شرفها وشرف أهلها وتسيء إلى سمعتها وسمعة أهلها فإنها بهذا العمل المشين قد صرفت أنظار راغبي الزواج عنها ولا يتقدم لخطبتها أحد يعرف حالتها حتى ولو كان مجرماً قد عبث بها وأهدر شرفها وكرامتها لأنه يحتقرها ولا يرضاها زوجة له لما يعرفه عنها من الخيانة، فتعيش المرأة بعد جريمة الزنا عيشة ذل وهوان، لا زوج يحصنها ولا عائل يعولها، فتصبح محتقرة ذليلة بين أهلها وذويها إضافة أيضاً إلى الجناية على سمعة أخواتها مما يقضي على مستقبلهن ويبعد عنهن راغبي الزواج بسبب جنايتها.

وأما فساده للزاني فإنه قد يكون سبباً في إبتلاء أحد محارمه بالوقوع بمثل هذه الفاحشة عقوبة من الله له فيُهتك عرضه كما هتك هو أعراض الناس يفتضح أمره ويسقط من أعين الناس ويقل إحترام الناس له.

ولما كان هذا الأمر بغاية القباحة، وقد يرغب بعض الناس بنكاح من زنا بها، وغير ذلك من الأحكام التي تتعلق بنكاحها شمر الفقهاء عن ساعد الجد، وقاموا ببيان حكم زواج الزانية، معتمدين على ما ورد في الكتاب العظيم والسنة النبوية الشريفة.

الزنا لغة واصطلاحاً.

لغة: لها عدة معان:

الأول: بمعنى الضيق، وزَنا الموضعُ يَزْنُو: ضاق، زَانِئٍ: أي حاقنٍ. [ينظر: لسان العرب، ابن منظور، ج14، 359، والمصباح المنير، الفيومي، ج1، ص257].

الثاني: الزنا المعروف، وهو وطء المرأة من غير عقد معتبر، ولا شبهة. [ينظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص384].

الثالث: وقد يطلق الزنا على ما دون الوطء للمرأة الأجنبية ونحوها، كما في الحديث: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَى اللِّسَانِ النُّطْقُ وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ". [البخاري، باب زنا الجوارح، ح5889، ج5، ص2304، ومسلم، باب قُدِّرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَى وَغَيْرِهِ، ح6924، ج8، ص52].

واصطلاحاً: الزنا: الوطء في قُبل خال عن ملك وشبهة. [كتاب التعريفات، الجرجاني، ص115].

وقال الراغب: "وطء المرأة من غير عقد شرعيّ". [المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص384].

تعريف الحنفية: "إدخال الرجل قدر حشفته قبل مشتهاة حالاً أو ماضياً بلا ملك وشبهة وكونه بالغاً عاقلاً لاعتباره موجباً للحد شرعاً". [فتح القدير، ابن الهمام، ج5، ص272].

تعريف المالكية: "مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حله عمداً فتخرج المحللة ووطء الأب أمة ابنه لا زوجته". [منح الجليل شرح على مختصر سيد خليل، محمد عليش، ج9، ص246].

تعريف الشافعية: "فَهُوَ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شُبْهَةِ عَقْدٍ، وَلَا بِمِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ فِعْلٍ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ". [الحاوي الكبير، الماوردي، ج13، 217].

تعريف الحنابلة: "أن يطأ في فرج أصلي من آدمي حي قبلاً كان أو دبراً بذكر أصلي وأقله أي الوطء تغييب حشفة من فحل أو خصي أو قدرها عند عدمها لأن أحكام الوطء تتعلق به". [كشاف القناع، البهوتي، ج6، ص95].

شرح التعريفات:

وطء: يخرج به مادون الوطء، كالمباشرة، والقبلة، ونحوها، وإن كانت قد تسمى زنى لغة، كما في الحديث: .. العينان: زناهما النظر، والأذنان: زناها الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد: زناها البطش، والرجل: زناها الخطى، إلا أنها لا تدخل في الزنى بمعناه الاصطلاحي.

في قبل: يخرج به الوطء في الدبر، وهو اللواط، فلا يسمى زنى.

خال عن ملك أي: عن نكاح، يملك به الزوج حق الاستمتاع بالمرأة،  أو ملك يمين أو شبهة أي: شبهة النكاح، أو شبهة ملك اليمين، فلا يسمى ذلك زنى.

كما لو وطئ امرأة بعقد نكاح، ثم تبين أنها أخته من الرضاع، أو زفت إليه امرأة، ظنها زوجته، أو جاريته، فوطئها، فلا يعد هذا من الزنى، وإنما هو وطء بشبهة.

تحريم الزنا

الزنا فاحشة نكراء، وجريمة شنعاء، وسبيل شر وبلاء، وباب لكثير من الأمراض والوباء، ولأجل ذلك حرمه الله تعالى، وقد ثبتت حرمته بالكتاب والسنة والاجماع.

أما الكتاب:

  1. قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء الآية32].
  2. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان الآية 68 - 69].

وأما السنة:

  1. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن". [البخاري، باب النهبى بغير إذن صاحبه، ح2343، ج2، ص875، ومسلم، باب بَيَانِ نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِالْمَعَاصِى وَنَفْيِهِ عَنِ الْمُتَلَبِّسِ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى إِرَادَةِ نَفْىِ كَمَالِهِ، ح217، ج1، ص55].
  2. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ الثَّيِّبُ الزَّانِ وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ". [البخاري، ح6484، ج6، ص2521، ومسلم، باب مَا يُبَاحُ بِهِ دَمُ الْمُسْلِمِ, ح4468، ج5، ص106].

والأحاديث كثيرة في هذا الباب.

وأما الإجماع:

قال ابن المنذر: "وأجمعوا على تحريم الزنا". [الإجماع، ابن المنذر، أبو بكر إبراهيم بن محمد النيسابوري، خالد عثمان، القاهرة، دار الآثار، ص125].




من أرشيف الموقع

حدث في 26 حزيران / يونيو

حدث في 26 حزيران / يونيو

أبو الخير القواس

أبو الخير القواس