بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - نكاح الشغار (2) [23]

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

منشأ الاختلاف

نشأ اختلاف الفقهاء في حكم الشغار من الاختلاف في علة النهي، فمن رأى أن علة النهي عدم تسمية الصداق، قال: النكاح يصح بمهر المثل، مثل العقد على خمر وخنزير.

ومن رأى أن علة النهي التشريك في البضع، أي جعله صداقاً ومورداً للنكاح في آن واحد، اعتبر النكاح فاسداً.

ومنهم من رأى أن علة النهي الاشتراط، أي اشتراط الزواج مقابل الزواج، وهؤلاء قالوا بفساد العقد مطلقاً. [ينظر بداية المجتهد ، ابن رشد، ج2، ص57].

وأرى أن عدم تسمية الصداق لا تأثير له في فساد العقد، إذ الفقهاء متفقون على أنه إذا لم يذكر الصداق في العقد فإنه ينعقد صحيحاً وتستحق المعقود عليها مهر المثل.

وفي معالم السنن: "وكان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة واستثنى عضواً من أعضائها وهو ما لا خلاف في فساده.

قال فكذلك الشغار لأن كل واحد منهما قد زوج وليته واستثنى بعضه حتى جعله مهراً لصاحبتها". [معالم السنن، الخطابي، ج2، ص192].

أدلة الفقهاء:

أولاً: أدلة المحرمين:

لقد وردت أحاديث عدة تنهى عن هذا الضرب من النكاح استدل بها جمهور الفقهاء منها:

  1. عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار. والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق". [البخاري، باب الشغار، ح4822، ج5، ص1966، ومسلم، باب تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلاَنِهِ، ح3530، ج4، ص139].
  2. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الشِّغَارِ. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: وَالشِّغَارُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتي أَوْ زَوِّجْنِي أُخْتَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي). [مسلم، باب تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلاَنِهِ، ح3534، ج4، ص139].
  3. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشغار والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه). [السنن الكبرى، البيهقي، باب الشغار، ح13916، ج7، ص200].
  4. عن عمران بن حصين رضي لله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا جلب ولا جنب لا شغار في الإسلام ومن انتهب نهبة فليس منا". [الترمذي، باب النهي عن نكاح الشغار، ح1123، ج3، ص431، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح].
  5. عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: " لاَ شِغَارَ فِى الإِسْلاَمِ". [مسلم، باب تَحْرِيمِ نِكَاحِ الشِّغَارِ وَبُطْلاَنِهِ، ح3533، ج4، ص139].

وعند الحنابلة َلَيْسَ فَسَادُهُ مِنْ قِبَلِ التَّسْمِيَةِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ وَقَفَهُ عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ، وَلِأَنَّهُ شَرْطُ تَمْلِيكِ الْبُضْعِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ، فَإِنَّهُ جَعَلَ تَزْوِيجَهُ إيَّاهَا مَهْرًا لِلْأُخْرَى فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهَا بِشَرْطِ انْتِزَاعِهَا مِنْهُ. [ينظر: مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى، الرحيباني، ج5، ص123].

وعند الشافعية: وَالنَّهْيُ يُوجِبُ فَسَادَ المنهى عنه. [ينظر: بدائع الصنائع، الكاساني، ج2، ص278].

  1. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأَعْرَجُ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ وَكَانَا جَعَلاَ صَدَاقًا فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا وَقَالَ فِى كِتَابِهِ هَذَا الشِّغَارُ الَّذِى نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. [أبو داود، باب في الشغار، ح2077، ج2، ص187. ومسند أحمد, ح16902, ج4, ص94. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن].

ثانياً: أدلة المجيزين:

وهم الحنفية: فقد أجاوزا هذا النوع من النكاح، وقالوا تعطى المرأة عند خلو العقد من المهر مهر مثلها.

واحتجوا بما يلي: "أنه سمى بمقابلة بضع كل واحدة منهما ما لا يصلح أن يكون صداقاً فكأنه تزوجها على خمر أو خنزير وهذا لأنه لما لم يكن في البضع صلاحية كونه صداقاً لم يتحقق الإشراك فبقى هذا شرطاً فاسداً والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة". [المبسوط، السرخسي، ج5، ص190].

ومن كلام الحنفية ما جاء في البدائع: "وَلَنَا أَنَّ هذا النِّكَاحَ مُؤَبَّدٌ أَدْخَلَ فيه شَرْطًا فَاسِدًا حَيْثُ شَرَطَ فيه أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرَ الْأُخْرَى وَالْبُضْعُ لَا يَصْلُحُ مَهْرًا وَالنِّكَاحُ لَا تُبْطِلُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ كما إذَا تَزَوَّجَهَا على أَنْ يُطَلِّقَهَا وَعَلَى أَنْ يَنْقُلَهَا من مَنْزِلِهَا وَنَحْوَ ذلك وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لم يَجْتَمِعْ النِّكَاحُ وَالصَّدَاقُ في بُضْعٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ جَعْلَ الْبُضْعِ صَدَاقًا لم يَصِحَّ فَأَمَّا النَّهْيُ عن نِكَاحِ الشِّغَارِ فَنِكَاحُ الشِّغَارِ هو النِّكَاحُ الْخَالِي عن الْعِوَضِ مَأْخُوذٌ من قَوْلِهِمْ شَغَرَ الْبَلَدُ إذَا خَلَا عن السُّلْطَانِ وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَعِنْدَنَا هو نِكَاحٌ بِعِوَضٍ وهو مَهْرُ الْمِثْلِ فَلَا يَكُونُ شِغَارًا على أَنَّ النَّهْيَ ليس عن عَيْنِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَشْرُوعٌ مُشْتَمِلٌ على مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَلَا يُحْتَمَلُ النَّهْيُ عن إخْلَاءِ النِّكَاحِ عن تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ.

 وَالدَّلِيلُ عليه ما روى عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قال نهى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِالْمَرْأَةِ ليس لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ. رواه الطبراني في المعجم الصغير بلفظ: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لا شِغَارَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الشِّغَارُ؟ قَالَ: نِكَاحُ الْمَرْأَةِ بِالْمَرْأَةِ، وَلاَ صَدَاقَ بَيْنَهُمَا. قال ابن حجر: "وَإِسْنَادُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ". التلخيص الحبير, ج3, ص328, وهو إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّهْيَ لِمَكَانِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ لَا لِعَيْنِ النِّكَاحِ فَبَقِيَ النِّكَاحُ صَحِيحًا". [بدائع الصنائع، الكاساني، ج2، ص278].

وفي تبيين الحقائق: "وَلَنَا أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَهَذَا شَرْطٌ فيه أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِتَسْمِيَةِ ما ليس بِمَالٍ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ وَلَا بِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالنَّهْيِ الْوَارِدِ فيه إنَّمَا كان من أَجْلِ إخْلَائِهِ عن تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ وَاكْتِفَائِهِ بِذَلِكَ من غَيْرِ أَنْ يَجِبَ فيه شَيْءٌ آخَرُ من الْمَالِ على ما كانت عليه عَادَتُهُمْ في الْجَاهِلِيَّةِ أو هو مَحْمُولٌ على الْكَرَاهِيَة". [تبيين الحقائق، الزيلعي، ج2، ص145، وينظر: فتح القدير، ابن الهمام، ج3، ص338].

والذي أميل إليه أن نكاح الشغار لايجوز ولا يصح للأمور التالية:

  1. ورود عدد من الأحاديث الشريفة التي تنهي عن هذا النوع من الزواج.
  2. أن جماهر الفقهاء أخذوا بظاهر الحديث وحكموا على العقد بالبطلان دون تأويل أو حمل على الكراهة.
  3. أنه عقد مشروط، والشرط يفسد العقد في صور عدة.
  4. أن الأصل في عقود النكاح الاحتياط، وأدلة الحنفية لا تسعفهم لترجيح مذهبهم.
  5. أن الشرط الذي في صلب العقد فيه نوع من الظلم، حيث يربط نكاح امرأة بنكاح الأخرى.

فقد جاءت الشريعة الإسلامية بالعدل، وحذرت من الظلم، ونكاح الشغار قد لا ينظر فيه إلى مصلحة المرأة، بل قد تكون المصلحة للأولياء، لذا فإنه في الغالب لا توجد في هذا النكاح المودة والرحمة ولا السكن، بل ربما عاشا في نزاع وخصام وعذاب وقلق نفسي مما يكون له أسوأ الأثر في تربية الأولاد، وربما حصلت الفرقة بينهما، والله أعلم.




من أرشيف الموقع

خطبة جمعة تستفز عامل نظافة..

خطبة جمعة تستفز عامل نظافة..

نسيت ارتداء الحجاب

نسيت ارتداء الحجاب