بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - خلاف العلماء في اشتراط الولي في عقد النكاح (2) [11]

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

بينا في البحث السابق أن هناك خلاف بين أهل العلم في اشتراط الولي في عقد النكاح، فبينا القول الأول ونحن نبين الآن القول الثاني:

القول الثاني: لا يشترط الولي في النكاح، فيصح أن تباشر المرأة عقد النكاح بنفسها، إلا أنه خلاف المستحب، وللأولياء حق الاعتراض إذا لم يكن الزوج كفؤاً لها. وهو قول أبي حنيفة في المشهور عنه.

ففي الاختيار: "وَعِبَارَةُ النِّسَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ حَتَّى لَوْ زَوَّجَتِ الْحُرَّةُ الْعَاقِلَةُ الْبَالِغَةُ نَفْسَهَا جَازَ، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوَّجَتْ غَيْرَهَا بِالْوِلَايَةِ أَوِ الْوِكَالَةِ، وَكَذَا إِذَا وَكَّلَتْ غَيْرَهَا فِي تَزْوِيجِهَا، أَوْ زَوَّجَهَا غَيْرُهَا فَأَجَازَتْ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ، وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ". [الاختيار لتعليل المختار، ابن مودود، ج3، ص90].

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والمعقول، والقياس:

أولاً: أدلتهم من القرآن الكريم:

1- قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ}. [البقرة الآية232].

"وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ من وَجْهَيْنِ:

 أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَيْهِنَّ فَيَدُلُّ على جَوَازِ النِّكَاحِ بِعِبَارَتِهِنَّ من غَيْرِ شَرْطِ الْوَلِيِّ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ نهى الْأَوْلِيَاءَ عن الْمَنْعِ عن نِكَاحِهِنَّ أَنْفُسَهُنَّ من أَزْوَاجِهِنَّ إذَا تَرَاضَى الزَّوْجَانِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي تَصْوِيرَ الْمَنْهِيَّ عنه". [بدائع الصنائع، الكاساني، ج2، ص248].

"وقد دلت هذه الآية من وجوه على جواز النكاح إذا عقدت على نفسها بغير ولي ولا إذن وليها أحدها إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الولي والثاني نهيه عن العضل إذا تراضى الزوجان". [أحكام القرآن، الجصاص، ج2، ص100].

2- قال تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة الآية 230].

"وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ من وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَيْهَا فَيَقْتَضِي تَصَوُّرَ النِّكَاحِ منها.

وَالثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ غَايَةَ الْحُرْمَةِ فَيَقْتَضِي انْتِهَاءَ الْحُرْمَةِ عِنْدَ نِكَاحِهَا نَفْسِهَا". [بدائع الصنائع، الكاساني، ج2، ص248].

3- قال تعالى: { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا}. [الأحزاب الآية50].

فَالْآيَةُ الشَّرِيفَةُ نَصٌّ على انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِعِبَارَتِهَا وَانْعِقَادِهَا بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَكَانَتْ حُجَّةً على الْمُخَالِفِ. [ينظر: بدائع الصنائع، الكاساني، ج2، 248].

"ويدل عليه حديث الزهري عن سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: مالي في النساء من أرب فقام رجل فسأله أن يزوجها فزوجها. [السنن الكبرى, البيهقي، ح14196، ج7، ص144]. ولم يسألها هل لها ولي أم لا ولم يشترط الولي في جواز عقدها". [أحكام القرآن، الجصاص، ج2، ص102].

4- قال تعالى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة الآية234].

"فجاز فعلها في نفسها من غير شرط الولي وفي إثبات شرط الولي في صحة العقد نفي الموجب الآية". [أحكام القرآن، الجصاص، ج2، ص101].

قال تعالى: { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة الآية230]."أَيْ يَتَنَاكَحَا أَضَافَ النِّكَاحَ إلَيْهِمَا من غَيْرِ ذِكْرِ الْوَلِيِّ". [بدائع الصنائع، الكاساني، ج2، ص248].

"وَهَذِهِ الْآيَاتُ تُصَرِّحُ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَذْكُورَ فيها مَنْسُوبٌ إلَى الْمَرْأَةِ من قَوْلِهِ أَنْ يَنْكِحْنَ وَحَتَّى تَنْكِحَ وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّ النِّكَاحَ صَادِرٌ منها وَكَذَا قَوْله تعالى:  {فِيمَا فَعَلْنَ} و {أَنْ يَتَرَاجَعَا} صَرِيحٌ بِأَنَّهَا هِيَ التي تَفْعَلُ وَهِيَ التي تَرْجِعُ وَمَنْ قال لَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ فَقَدْ رَدَّ نَصَّ الْكِتَابِ". [تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، الزيلعي، ج2، ص117].

ثانياً: أدلتهم من السنة النبوية الشريفة:

1- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا). [مسلم، باب استئذان الثيب، ح3541، ج4، ص141].

وجه الدلالة: "وَهِيَ من لَا زَوْجَ لها بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا فَأَفَادَ أَنَّ فيه حَقَّيْنِ حَقَّهُ وهو مُبَاشَرَتُهُ عَقْدَ النِّكَاحِ بِرِضَاهَا وقد جَعَلَهَا أَحَقَّ منه وَلَنْ تَكُونَ أَحَقَّ إلَّا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ رِضَاهُ". [البحر الرائق، ابن نجيم، ج3، ص117].

2- عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا). [أبو داود] "وَهَذَا قَطْعُ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ عَنْهَا". [بدائع الصنائع، الكاساني، ج5، ص376].

"فقوله ليس للولي مع الثيب أمر يسقط اعتبار الولي في العقد وقوله الأيم أحق بنفسها من وليها يمنع أن يكون له حق في منعها العقد على نفسها". [أحكام القرآن، الجصاص، ج2، ص102].

ثالثاً: استدل القائلون بعدم اشتراط الولي في النكاح بآثار عن الصحابة منها:

1 - عن عائشة: "أنها زوجت حفصة بنت عبد الرحمن المنذر بن الزبير وعبد الرحمن غائب بالشام فلما قدم عبد الرحمن قال أمثلي يصنع به هذا ويفتات عليه فكلمت عائشة عن المنذر فقال المنذر إن ذلك بيد عبد الرحمن فقال عبد الرحمن: ما كنت أرد أمراً قضيتيه فقرت حفصة عنده ولم يكن ذلك طلاقاً". [الموطأ، مالك بن أنس، باب ما لا يبين من التمليك، ح1160، ج2، ص555].

2 - عن القاسم: "أن عائشة زوجت ابنة عَبد الرحمن من المنذر بن الزبير، فقال عَبد الرحمن: تزوجين ابنة رجل بغير أمره؟ فغضبت عائشة وقالت للمنذر: لتملكها أمرها، ففعل فلم يره شيئاً. [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، البوصيري، ج4، ص31].

3 - عَنْ بَحْرِيةَ بِنْتِ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ: أَنَّهَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنَ الْقَعْقَاعِ بْنِ شَوْرٍ وَبَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً وَجَاءَ أَبُوهَا فَاسْتَعْدَى عَلِيًّا، فَقَالَ: أَدْخَلْتَ بِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَجَازَ النِّكَاحَ. [السنن الكبرى، البيهقي، باب لا نكاح إلا بولي، ح14020، ج7، ص112].

وجه الدلالة ظاهر: "وفي هذا دليل على أن المرأة إذا زوجت نفسها أو أمرت غير الولي أن يزوجها فزوجها جاز النكاح". [المبسوط، السرخسي، ج5، ص16].

رابعاً: المعقول:

"أَنَّهَا لَمَّا بَلَغَتْ عَنْ عَقْلٍ وَحُرِّيَّةٍ فَقَدْ صَارَتْ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا فِي النِّكَاحِ فَلَا تَبْقَى مُولَيًا عَلَيْهَا كَالصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا بَلَغَ، وَالْجَامِعُ أَنَّ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِلْأَبِ عَلَى الصَّغِيرَةِ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهَا شَرْعًا لِكَوْنِ النِّكَاحِ تَصَرُّفًا نَافِعًا مُتَضَمِّنًا مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَحَاجَتَهَا إلَيْهِ حَالًا وَمَآلًا وَكَوْنِهَا عَاجِزَةً عَنْ إحْرَازِ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا، وَكَوْنِ الْأَبِ قَادِرًا عَلَيْهِ وَبِالْبُلُوغِ عَنْ عَقْلٍ زَالَ الْعَجْزُ حَقِيقَةً وَقَدَرَتْ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهَا حَقِيقَةً فَتَزُولُ وِلَايَةُ الْغَيْرِ عَنْهَا وَتَثْبُتُ الْوِلَايَةُ لَهَا". [بدائع الصنائع، الكاساني، ج5، ص376].

خامساً: القياس:

وإن القياس يوجب انفراد المرأة بأمر زواجها من وجوه:

أحدها: أن لها أن تتولى أمر مالها، وليس لأحد عليها سلطان في شأنها، ولا فرق بين الأمرين، لأن العلة هي كمال الولاية بكمال العقل، وهي سوغت لها التصرف المالي الذي قد يكون موضع الحجر مع العقل فبالأولى يسوغ لها الزواج.

وثانيها: أن البلوغ مع العقل كاف لإثبات ولاية الزواج كاملة بالنسبة للشاب فتثبت الولاية كاملة بالنسبة للفتاة.

وثالثها: أن الولاية إنما تكون حيث الحاجة إليها، بسبب عجر العقل عن إدراك الأمور، وليس ثمة حاجة توجب هذه الولاية، ولو كانت اختيارية، أو اشتركا في اختيار الزوج. [الأحوال الشخصية، أبو زهرة، ص147].




من أرشيف الموقع

علم ابنك كيف يسأل بـ لماذا وكيف؟

علم ابنك كيف يسأل بـ لماذا وكيف؟

فن التعامل مع معارك الأبناء

فن التعامل مع معارك الأبناء