بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - خلاف العلماء في اشتراط الولي في عقد النكاح (1) [10]

الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / خاص بوابة صيدا

اختلف العلماء في اشتراط الولي في نكاح المرأة على أقوال:

1- فقال أبو حنيفة: يجوز جميع ذلك ويصح.

2- وقال مالك: لا تزوج نفسها ولا غيرها، رواية واحدة. واختلف عنه هل لها أن تأذن لغير وليها في تزويجها؟ على روايات: إحداها: المنع، والثانية: الجواز. والثالثة: إن كانت شريفة لم يجز، وإن كانت غير شريفة جاز.

3- وقال أحمد والشافعي: لا يجوز شيء من ذلك على الإطلاق.

[ينظر: اختلاف الأئمة العلماء، ابن هبيرة، ج2، ص122، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، الشاشي القفال، ج3، ص48، ومعين الأمة على معرفة الوفاق والخلاف بين الأئمة، السمرقندي الحنفي، ج2، ص122، وإرشاد المسترشد، ابن المنذر الأنصاري، ج2، ص109].

"وسبب اختلافهم:

أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلاً عن أن يكون في ذلك نص بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة.

وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط إسقاطها هي أيضاً محتملة في ذلك، والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل لأن الأصل براءة الذمة". [بداية المجتهد، ابن رشد، ج2، ص9]

وفي تبيين الحقائق: "وقد رَوَوْا في كُتُبِهِمْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ليس لها صِحَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ حتى قال الْبُخَارِيُّ وابن مَعِينٍ لم يَصِحَّ في هذا الْبَابِ حَدِيثٌ يَعْنِي على اشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ". [تبيين الحقائق, الزيلعي, ج2, ص117].

أقوال العلماء في اشتراط الولي وعدمه مع أدلتهم ومناقشاتهم:

القول الأول: اشتراط الولي في النكاح، فلا يصح أن تباشر المرأة بنفسها عقد النكاح، فلا تزوج نفسها ولا تزوج غيرها. وهو قول جمهور الفقهاء:

"روي هذا عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنهم، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عبد العزيز  وجابر بن زيد والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيد الله العنبري والشافعي وإسحاق وأبو عبيد.

وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك". [تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، الزيلعي، ج2، ص117].

مذاهب الأئمة الفقهاء:

مذهب المالكية: "قال أبو عمر: فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي فلا معنى لما خالفهما. [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، ج19، ص90].

وفي حاشية العدوي: "(وهو شَرْطُ صِحَّةٍ) أَيْ الْوَلِيُّ شَرْطُ صِحَّةٍ قَوْلُهُ (وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا الخ) مُطْلَقًا بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا شَرِيفَةً كانت أو دَنِيَّةً رَشِيدَةً أو سَفِيهَةً أَمَةً أو حُرَّةً أَذِنَ وَلِيُّهَا أَمْ لَا لَا يَجُوزُ ذلك بِوَجْهٍ كما قَالَهُ في الْجَوَاهِرِ". [حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني، علي الصعيدي العدوي المالكي، ج2، ص49].

مذهب الشافعية: "أَنَّ الْوَلِيَّ شَرْطٌ فِي نِكَاحِهَا لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إِلَّا بِهِ وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْفَرِدَ بِالْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا وَلِيُّهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، شَرِيفَةً أَوْ دَنِيَّةً، بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا. [الحاوى الكبير، الماوردي، ج9، ص38].

مذهب الحنابلة: "شرائط النكاح وهي خمسة أحدها: الولي فإن عقدته المرأة لنفسها أو لغيرها بإذن وليها أو بغير إذنه لم يصح". [الكافي في فقه الإمام أحمد، ابن قدامة، ج3، ص9].

مذهب الظاهرية: "وَلاَ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ نِكَاحٌ ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا إِلاَّ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا الأَبِ، أَوْ الإِخْوَةِ، أَوْ الْجَدِّ، أَوْ الأَعْمَامِ، أَوْ بَنِي الأَعْمَامِ وَإِنْ بَعُدُوا وَالأَقْرَبُ فَالأَقْرَبُ أَوْلَى". [المحلى، ابن حزم، ج9، ص451].

أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والسنة والآثار والمعقول:

أولا: أدلتهم من القرآن الكريم:

قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ..} [البقرة الآية232].

وجه الدلالة من الآية:

"وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: "لا نكاح إلا بولي من العصبة". وذلك أن الله تعالى ذكره منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك. فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها - لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم، إذ كان لا سبيل له إلى عضلها. وذلك أنها إن كانت متى أرادت النكاح جاز لها إنكاح نفسها، أو إنكاح من توكله إنكاحها، فلا عضل هنالك لها من أحد فينهى عاضلها عن عضلها". [جامع البيان في تأويل القرآن، الطبري، ج5، ص26].

قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} [البقرة الآية221].

وجه الدلالة من الآية: "أن هذا خطاب للأولياء بأن لا ينكحوا المسلمات المشركين ولو فرض أنه يجوز لها إنكاح نفسها لما كانت الآية دالة على تحريم ذلك عليهن لأن القائل بأنها تنكح نفسها يقول بأنه ينكحها وليها أيضاً فيلزم أن الآية لم تف بالدلالة على تحريم إنكاح المشركين للمسلمات لأنها إنما دلت على نهي الأولياء عن إنكاح المشركين لا على نهي المسلمات أن ينكحن أنفسهن منهم وقد علم تحريم نكاح المشركين المسلمات فالأمر للأولياء دال على أنه ليس للمرأة ولاية في النكاح". [سبل السلام، الصنعاني،  ج3، ص120].

قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. [البقرة الآية237].

وجه الدلالة: "للشافعي أن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا يجوز النكاح إلا بالولي، وذلك لأن جمهور المفسرين أجمعوا على أن المراد من قوله: [الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ] إما الزوج وإما الولي، وبطل حمله على الزوج لما بينا أن الزوج لا قدرة له البتة على عقدة النكاح، فوجب حمله على الولي". [التفسير الكبير، الرازي،  ج4، ص487].

ثانيا: أدلتهم من السنة:

  1. عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ) [أبو داود].

وجه الدلالة من الحديث: "أنه يدل بمنطوقه على نفي النكاح بدون ولي، ويدل بمفهومه على عدم جواز مباشرة المرأة "قوله لا نكاح إلاّ بولي فيه نفي ثبوت النكاح على معمومه ومخصوصه إلاّ بولي". [معالم السنن شرح سنن أبي داود، الخطابي، ج3، ص198].

"فإن عقدته المرأة لنفسها أو لغيرها بإذن وليها أو بغير إذنه لم يصح لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا نكاح إلا بولي)". [الكافي، ابن قدامة، ج3، ص9. قال أحمد ويحيى: هذا حديث صحيح].

2- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ). [أبو داود].

وجه الدلالة:

قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: "وَهَذَا حَدِيثٌ جَلِيلٌ، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ فِي إبْطَالِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ". [نصب الراية لأحاديث الهداية مع حاشيته بغية الألمعي في تخريج الزيلعي، ج3، ص185. ينظر: حاشية ابن عابدين، ج3، ص55].

3-عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا). [ابن ماجه].

وجه الدلالة: "فيه دليل على أن المرأة ليس لها ولاية في الإنكاح لنفسها ولا لغيرها فلا عبرة لها في النكاح إيجاباً ولا قبولاً فلا تزوج نفسها بإذن الولي ولا غيره ولا تزوج غيرها بولاية ولا بوكالة ولا تقبل النكاح بولاية ولا وكالة وهو قول الجمهور". [سبل السلام، الصنعاني، ج3، ص120].

ثالثاً: أدلتهم من الآثار:

استدل جمهور العلماء لقولهم بآثار كثيرة مروية عن الصحابة رضي الله عنهم في إثبات اشتراط الولي في النكاح، وأن هذا كان معروفاً في عهدهم من غير نكير حتى أن ابن المنذر لما نقل أقوال الفقهاء في هذه المسألة قال بعد ذكره لرأي الجمهور، أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك وعن مالك رواية أنها إن كانت غير شريفة زوجت نفسها وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يشترط الولي أصلاً ويجوز أن تزوج نفسها ولو بغير إذن وليها إذا تزوجت كفؤاً واحتج بالقياس على البيع فإنها تستقل به وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة وخص بهذا القياس عمومها وهو عمل سائغ في الأصول وهو جواز تخصيص العموم بالقياس. [ينظر: فتح الباري، ابن حجر، ج9، ص187].

ومن هذه الآثار:

1- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا تُخْطَبُ إِلَيْهَا الْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِهَا فَتَشْهَدُ فَإِذَا بَقِيَتْ عُقْدَةُ النِّكَاحِ قَالَتْ لِبَعْضِ أَهْلِهَا: زَوِّجْ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَلِي عُقْدَةَ النِّكَاحِ". [السنن الكبرى، البيهقي، ج13430، ج7، ص112].

من أدلتهم من المعقول: لأن المرأة غير مأمونة على البضع لنقص عقلها وسرعة انخداعها فلم يجز تفويضه إليها. [ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد، ابن قدامة، ج3، ص9].

وفي البحث القادم إن شاء الله تعالى نبين القول الثاني وأدلته.




من أرشيف الموقع

علمياً.. "القطط" تأكل ولا تنكر!

علمياً.. "القطط" تأكل ولا تنكر!

حدث في 18 حزيران / يونيو

حدث في 18 حزيران / يونيو

لماذا ارتحل

لماذا ارتحل