بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مشروعية الزواج في الإسلام [2]

بقلم: الشيخ الدكتور علي عثمان جرادي / بوابة صيدا

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أمَّا بعدُ:

فإنَّ لعقد الزواج في الشَّريعة الإسلاميَّة أهميَّةً بالغة، وقد ورد في القُرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة الكثير من الآيات والأحاديث في مشروعيَّة الزواج وبَيان أحكامه، واعتنى الفُقَهاء بذلك في مُصنَّفاتهم أيما عناية، فقد خصَّصُوا للنِّكاح وأحكامه مَكانًا رَحْبًا، فصلوا فيه أحكامه، وأوضحوا مَقاصِدَه وآثاره.

لقد ثبتت مشروعية الزواج بالقرآن والسنة والإجماع:

أما القرآن ففي آيات كثيرة منها:

1- قوله تعالى:  {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء الآية 3].

والمعنى: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء. ذلك الذي شرعته لكم في اليتيمات والزواج من واحدة إلى أربع، أو الاقتصار على واحدة أو ملك اليمين، أقرب إلى عدم الجَوْرِ والتعدي.

2- وقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}. [النحل الآية72]

والمعنى: أن الله سبحانه جعل مِن جنسكم أزواجاً، لتستريح نفوسكم معهن، وجعل لكم منهن الأبناء ومِن نسلهنَّ الأحفاد، ورزقكم من الأطعمة الطيبة من الثمار والحبوب واللحوم وغير ذلك.

2- وقوله: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم الآية21]

ومن آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لأجلكم من جنسكم - أيها الرجال – أزواجًا، لتطمئن نفوسكم إليها وتسكن، وجعل بين المرأة وزوجها محبة وشفقة، إن في خلق الله ذلك لآيات دالة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يتفكرون، ويتدبرون.

3- وقوله تعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير} [الشورى الآية11]

الله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض ومبدعهما بقدرته ومشيئته وحكمته، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، لتسكنوا إليها، وجعل لكم من الأنعام أزواجًا ذكورًا وإناثًا، يكثركم بسببه بالتوالد، ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلَّها حسنى، وصفاتِه صفات كمال وعظمة، وأفعالَه تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، وهو السميع البصير، لا يخفى عليه مِن أعمال خلقه وأقوالهم شيء، وسيجازيهم على ذلك.

ومن السنة الشريفة:

1- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله اني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء من رغب عن سنتي فليس مني) [البخاري].

والمعنى: أي إني لأعلم به، وبما هو أعز لديه، وأكرم عنده، ومع ذلك أصوم وأفطر أي أصوم في وقت وأفطر في آخر وأصلي بعض الليل وأنام في بعضه. وأتزوج النساء ولا أزهد فيهن، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام بحقوق الله تعالى، والتوكل عليه، والتفويض إليه، وهذا كله ليقتدي بي الأمة.

2- وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (إِنِّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَمَنْصِبٍ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوَّجُهَا فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَنَهَاهُ فَقَالَ تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ) [أبو داود].

وفي الحديث: الحث على نكاح الأبكار، لكن قد يرد أمر يجعل من الأفضل زواج الثيب، لعارض من الأمور. قد يكون العارض جبر خاطر امرأة مات زوجها. وقد يكون العارض طلب مصاهرة أقوام صالحين، أو لهم جاه ينفع الله به في أمور الدنيا والدين.

3- عن علقمة قال بينا أنا أمشي مع عبد الله رضي الله عنه فقال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [البخاري].

قال النووي في شرحه على مسلم: وَفِي هَذَا الْحَدِيث: الْأَمْر بِالنِّكَاحِ لِمَنْ اِسْتَطَاعَهُ وَتَاقَتْ إِلَيْهِ نَفْسه، وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ عِنْدنَا وَعِنْد الْعُلَمَاء كَافَّة أَمْر نَدْب لَا إِيجَاب.

4- عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَقِيتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ. قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: بِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ. قُلْتُ ثَيِّبٌ. قَالَ: فَهَلاَّ بِكْرًا تُلاَعِبُهَا. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِى أَخَوَاتٍ فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِى وَبَيْنَهُنَّ. قَالَ: فَذَاكَ إِذًا. إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا وَمَالِهَا وَجَمَالِهَا فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) [البخاري].

وأما الإجماع:

الإجماع منعقد على أن النكاح من العقود المسنونة بأصل الشرع.

واتفق الأئمة على أن من تاقت نفسه إليه وخاف العنت وهو الزنى فإنه متأكد في حقه، ويكون أفضل من الجهاد والصلاة المتطوع به.

فقال أبو حنيفة: باستحبابه مطلقاً بكل الأحوال، وهو عنده أفضل من الانقطاع للعبادة.

وعند الشافعي ومالك النكاح مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته.

وقال أحمد: متى تاقت نفسه اليه وخشي العنت وجب.

وقال داود: بوجوب النكاح على الرجل والمرأة مرة في العمر مطلقاً.

[ينظر: معين الامة على معرفة الوفاق والخلاف بين الأئمة للسمرقندي الحنفي، واختلاف الأئمة العلماء، ابن هبيرة، وحلية العلماء في معرفة مذاهب العلماء الفقهاء، الشاشي القفال].

 




من أرشيف الموقع

حدث في 17 أيلول / سبتمبر

حدث في 17 أيلول / سبتمبر

ويح العروبة

ويح العروبة

حدث في 11 تشرين الأول / أكتوبر

حدث في 11 تشرين الأول / أكتوبر

ولتستبين سبيل المجرمين (2)

ولتستبين سبيل المجرمين (2)