بوابة صيدا - لا يوجد صورة

بوابة صيدا - مفهوم الحزبية بين الإبداع والابتداع

بقلم الشيخ محمد العيساوي / بوابة صيدا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وبعد:

فقد مرَّ على أمتنا أعوامٌ عجاف، نزل بها كثير من الفاجعات، كان من أعظمها أثرا، وأبلغها خطرا، إسقاط الخلافة، وتنحيتها عن مقام الإمامة والريادة، مع بثِّ فتن الضلال والتغريب، وتسلط طواغيت جور وترهيب، فصار جُلُّ أبنائها إلى حالات من الضياع مريعة، وأنماط من الذهول شنيعة!..

وعليه: كان لزاماً على المصلحين إعادة الأمر إلى نصابه، في مشاريع إحياء شاملة حقيقية، تعالج الفرد والمجتمع، وتضع الدواء على مكامن الداء، تحيي في الأمة معالمَ نهضةٍ شاملة، ومقامات عزة مرموقة سامقة..

وعليه، فقد نهض مصلحون كثر، قاموا بمحاولات إصلاح متعددة مباركة، متجسدة في أعمال جماعية، تحت أطر جمعياتٍ أو تنظيمات أو أحزابٍ أو ما شاكلها..

وسطَّر التاريخُ بمداد من نور، نجاحات متعددة، في مسارات إصلاح تخللتها أحوال مراغماتٍ كثيرة، مع رؤوس تغريبٍ وإفساد، وصنوف فتن واستبداد..

وكان من منة الله تعالى على دعوات الإصلاح هذه، أن لاحت لها أمارات تمكين ووراثة، وبشارات استخلافٍ وإمامة، جسَّدها إعصارٌ إيمانيٌ هادر، في ربيعٍ فواَّحٍ زاهر " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " (القصص 5)

بيد أن مسيرة المدافعة مع الباطل ما انتهت، فما زال شياطين الباطل يحاولون إضلال دعاة الحق، في محاولات إفسادٍ متعددة..

ومن أهم محاولات الشياطين هذه، إذكاء نار الفتنة بين الدعاة، وتنشيط معالم الحزبية المقيتة في نواديهم ومجتمعاتهم، وتشتد الظاهرة هذه، إثر حدوث نازلة خطيرة، أو حلول واقعة مدلهمة مستطيرة..

وإن من الأمور المهمة، التي يجب التنبه لها، والتنبيه إليها، أن قيام أحزاب الإسلام، وجماعات الدعوة، أمرٌ مبارك بلا ريب، بل هو من متضمنات قوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " (المائدة2)

بيد أن مشروعية الأحزاب والجماعات هذه، مشروطة بالضرورة بما قرره المحققون: من عدم التحزب على أصول بدعية كلية، تخالف أصول السنة والجماعة، بالإضافة إلى عدم عقد آصرة الولاء والبراء على اجتهادات هذه الجماعات، وإلا كانت بؤر تفريق للأمة، وإعمالاً للفتن في الملة..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما رأس الحزب، فإنه رأس الطائفة التي تتحزب، أي تصير حزبا، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله، من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم. وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا، مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم، سواء كان على الحق أو الباطل، فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف، ونهيا عن الفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى، ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان" (مجموع الفتاوى11/-92)

أيها الكرام: إن قيام أحزاب الإسلام وجماعات الدعوة، وسيلةٌ من وسائل تحقيق العبودية لله، وإقامة لوازمها من نصرة الحق وتمكين الدين، وحماية بيضته والذب عن حرماته، فقيام هذه الأحزاب وسيلةٌ مشروعة لغاية نبيلة " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " وعليه فليحذر الدعاة من تحويل الوسيلة إلى غاية، بأن تُضفى قدسيةٌ مزعومة على أنظمة الحزب والجماعة، واجتهادات الرؤوس والقادة، لتحلَّ بعد ذلك اجتهاداتُ التنظيم، محلَّ واضحات الشرع الحكيم، لتنشأ عداواتٌ ونزاعات بين الدعاة، ويطيب الأمر عندئذٍ لدعاة الشر والعلمنة، ودعاة الكفر والزندقة، فتتحقق مآربهم الخبيثة، ومطامعهم المقيتة!!

ولا بد في هذا المقام من تنبيهات للجميع، درأً للفتنة، ورأباً للصدع..

1- إن الواجب المحتم على جميع القادة والرؤوس، من مختلف الجماعات والأحزاب الإسلامية عند وقوع الخلاف الاجتهادي: إعمال فقه الخلاف وإعذار المخالف، وحمل كلامه ومواقفه على أحسن المحامل، وتحسين الظن به، ونصحه بألطف العبارات، وأرق الألفاظ، والذب عنه، وعدم تهييج الأتباع عليه..

2- إن الواجب المحتم على القادة، عند النوازل: الالتقاء على مواقف متقاربة - إن تعذر التوحد- ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وتذليل العقبات، وتجريد الخلاف، إذ التفرد في نوازل السياسة، مزلة أقدام ومضلة أفهام، والرأي الجماعي على ما يعتريه قبل التوصل إليه، خير وأفضل من التفرد.

3- إن الواجب المحتم على القادة أن ينبهوا أتباعهم على أن مسار جماعتهم مسارٌ اجتهادي بحت، وليس وحياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن مسارات الجماعات الأخرى مسارات اجتهادية أيضا،وأن الكتاب والسنة والإجماع المعتبر هم المرجع الحصري المعصوم فقط، وعليه فإقامة الولاء والبراء على اجتهادات الجماعات هذه، مسلك ذميم، ومرتع وخيم، يفضي إلى تمزيق الأمة وتشتيتها.. " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله يحب الصابرين ". يجب على القادة تنبيه الأتباع إلى هذا، وإلا كانوا دعاة تفريق وتمزيق للأمة، أعاذهم الله من ذلك.

4- يجب على جميع الدعاة وأتباعهم أن يعلموا أن إمامهم الأعظم هو محمد صلى الله عليه وسلم، وله يقع التعصب وحده، ومن سواه من الدعاة والمصلحين عرضة لورود الصواب والخطأ على اجتهاداتهم، فالكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ورد ذلك عن إمام دار الهجرة..

5- لا يعني ما سبق، إباحة توجيه قالة السوء، وفرى الباطل، إلى علماء الجماعات، وقادة الأحزاب الإسلامية هذه، إذ الواحد منهم تتراوح اجتهاداته بين الأجر والأجرين، وكلهم على خيرٍ إن شاء الله..

6- والأصل المهم قبل ذلك كله، إشاعة معاني الأخوة والمحبة، بين العاملين في الحقل الإسلامي، ومحاصرة فتن التحزب والعصبية، وغض الطرف عن الهفوات، والمبادرة إلى رأب الصدع، وتصفية النفوس وإعمال الصفح..

وإن الذي بيني وبين بني أبي * وبين بني عمي لمختلفٌ جدا

فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

ولا أحمل الحقد الدفين عليهم * وليس نجيب القوم من يحمل الحقدا

وفق الله جميع الدعاة لمرضاته، وجعلهم من خيرة خلقه وأصفيائه، والحمد لله رب العالمين




من أرشيف الموقع

ويل لأمة أنتم شبابها

ويل لأمة أنتم شبابها

ماذا تعرف عن تلة المُريق في صيدا؟

ماذا تعرف عن تلة المُريق في صيدا؟

لقاء مع خليل حنا نصر الله

لقاء مع خليل حنا نصر الله

8 رجال اغتصبوا شابة لأشهر عدة!

8 رجال اغتصبوا شابة لأشهر عدة!